قد يكون الدعاء من أبرز الأعمال العبادية الظاهرة في شهر رمضان، في ما يمارسه المؤمنون في سائر أوقات الشهر، حتى يشعر الإنسان بأنّ هناك شمولاً في ما ينبغي للمرء أن يدعو به، فهناك دعاء للأيام، ويقابله دعاء لليالي، وهناك أدعية للصباح وللسحر ولأوقات الصلاة والفطور والسحور، ولغير ذلك...
تنوع الأساليب:
وقد تنوْعت أساليب الدعاء ومضامينه في ما حفلت به الأحاديث المأثورة من نوعيّات الأدعية، وفي ما وضعه المؤلّفون والعلماء من ذلك كلّه.. فهناك الأدعية التي يستغرق فيها الإنسان في المشاعر الذاتية التي يواجه فيها ذنوبه بين يدي الله، ويعبّر فيها عن محبّته لله، وخوفه منه، ويلتقي فيها بحساباته في ما يفعله وفي ما يتركه في عمله تصفية للنفس، ويثير أمام نفسه الكثير الكثير من تفاصيل العقيدة في ما يعتقده من توحيد الله ورسالة رسوله والإيمان باليوم الآخر ليؤكد معانيها التفصيلية في نفسه.. وهكذا يجد الإنسان نفسه في جولة واسعة في رحاب الله وفي آفاق النفس، وفي أوضاع الحياة المحيطة به، في أسلوب روحي لذيذ يرتفع بالنفس إلى سماوات الروح والإيمان والإبداع ليصنع الإنسان المسلم الجديد.. كما نواجهه في دعاء السحر الذي رواه أبو حمزة الثمالي عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين(ع)... وهناك الأدعية الاجتماعية الإنسانية التي تثير في داخل الإنسان الشعور بمشاكل الناس من حوله، فيتحرّك في داخله الشعور بأن العبادة لا تعزل الإنسان عن الحياة بل تربطه بها بطريقة واسعة مثيرة.. وهناك الأدعية التي تخلق في وعيه السياسي في ما يلتقي به من المشاكل الإسلامية العامة في الحكم والحاكمين وقضايا العدل والظلم والحق والباطل لتتحول إلى دعوات ورغبات وأمنيات يطرحها بين يدي الله سبحانه وتعالى.. ليكون ذلك سبيلاً من سبل الوعي والذي يختزنه الإنسان في أجواء العبادة.
الإنفتاح على القضايا الكبرى:
وهكذا يجد الإنسان في هذه الأدعية سبيلاً من سبل تكوين الشخصية الإسلامية، في ما يريد الإنسان أن يركزه منها، فيلتقي فيه الجانب الروحي الفردّي بالجانب الإجتماعي والسياسي، وتتحرّك المفاهيم الصغيرة والكبيرة في ما يحمله الإنسان من عقائد ومشاعر وأفكار.. حتى يدخل الإنسان في دورة تربوية روحية تثقيفية يعيش فيها آفاق مسؤوليته الواسعة بين يدي الله، ليغترف من هذا الينبوع ما شاء له الجو أن يغترف.. وبذلك يمكن للمسلم أن يعيش تكامل الشخصية الروحية والفكرية بطريقة إيحائية رائعة.. ولا بدّ في ذلك كلّه من الانطلاق بالدعاء في فكره وشعوره قبل الإنطلاق به في لسانه حتى تكتمل له هذه النتائج الحاسمة.. وربما كان من الضروري للعاملين في حقل الدعوة إلى الله أن يستثيروا كل هذه المعاني في افاق الداعين، في مجال الموعظة والدعوة والتبليغ والتربية ليؤكدوا ذلك كلّه في نفوسهم، وليخرجوهم من الافاق التقليدية الجامدة إلى الآفاق المتحرّكة الواسعة..
التعبئة الروحية:
وللدعاء في التربية الإسلامية معنى العبادة المتحركة المفتوحة على كل الأوضاع، فلا يحدّها زمان، كما هي الصلاة المفروضة والصوم الواجب، ولا يحتويها مكان، كما هو الحج، فللإنسان أن يدعو في الصباح وفي المساء في كل آن من آناء الليل والنهار، وله أن يدعو الله قائماً وقاعداً أو مستلقياً على جنبه، وله أن ينفتح على الله في ذلك في كل يوم وفي كل شهر وفي كل سنة... ليعيش الحضور الدائم معه سبحانه حيث يحس بوجوده إحساس اللقاء المباشر، تماماً كما لو كان يحس به ويتطلع إليه، وقد يحدث للتوجه الإسلامي في الدعاء أن يطلب من الإنسان المؤمن أن يدعو الله في زمان معين مما يريد الله فيه له أن يتفرغ إليه في ليله ونهاره، من أجل الوصول به إلى بعض النتائج الإيمانية الكبيرة، أو تحقيق التعبئة الروحية التي تلتقي بفريضة معينة مما فرضه الله على الإنسان للحصول على بعض الأهداف الإسلامية في بناء الشخصية الإسلامية.
وذلك كما هو الحال في شهر رمضان الذي وردت فيه النصوص الكثيرة التي تستحب للإنسان أن يأخذ بأسباب الدعاء في ليله ونهاره وسحوره، بحيث كان لكل وقت من هذه الأوقات دعاء مميز يختص به ويتناسب مع طبيعة الأجواء المحيطة به، ليكون ذلك مكمّلاً للنتائج التي يحصل عليها الصائم من صومه في بناء إرادته على أساس التقوى، إضافة إلى قراءة القرآن التي تمنح الإرادة مضمونها الإسلامي، وتعطي التقوى حركتها الروحية... ليتحقق للصائم بالصوم والدعاء وتلاوة القرآن، القاعدة الصلبة للبناء الروحي القوي المنفتح على فكر الإسلام في طبيعة الشخصية الإسلامية.
إن أجواء شهر رمضان هي أجواء الدعاء، إضافة إلى كونها أجواء الصوم وقراءة القرآن. وقد اعتبر الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد الدعاء مظهراً من مظاهر العبادة، واعتبر الذين لا يمارسون الدعاء مستكبرين عن عبادته:{ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} وفسّر قوله تعالى (عبادتي) بـ (دعائي).
ان الله يريد من الإنسان أن يدعوه في كل ما أهمه، من صغائر الأمور وكبائرها، بحيث تكون جلسات الإنسان مع ربه أكثر من جلساته مع أقرب الناس إليه. فنحن نتحدث مع أزواجنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا وأصدقائنا، ولكن الله يريد أن يكون حديثنا معه أكثر من حديثنا مع هؤلاء أو مع غيرهم، انطلاقاً من حقيقة هي أن صلتنا بالله أكبر من صلتنا بأي أحد سواه.. فصلتنا بآبائنا وأمهاتنا هي أنهم كانوا الوسيلة لوجودنا، وانهم قاموا بتربيتنا ورعايتنا، في ما قدّرهم الله على ذلك، وهكذا صلاتنا بأولادنا، الذين هم فلذات أكبادنا، لأننا كنّا الاداة لوجودهم ونتحمل مسؤولياتهم.. وهكذا الأمر مع الناس الآخرين كلّهم.
أمّا صلتنا بالله، فهي أنه (تعالى) يملك وجودنا، لأنه أساس الوجود، فعلاقتنا به تتصل بكل عنصر من عناصر وجودنا، وهي تمتد إلى ما بعد وفاتنا، من خلال إيماننا بالله وباليوم الآخر، فهو الذي يرعانا في القبر، وهو الذي يرعانا في الحشر، وهو الذي يرعانا في جنّته وفي رضوانه.. بل ان رحمته لا تنقطع عنّا في أية لحظة.
من هنا، فقيمة هذه الأدعية هي أنها تعطي الإنسان حالة من حالات الإحساس والشعور الوجداني بالعلاقة مع الله؛ فعلاقتنا مع الله سبحانه وتعالى، غالباً ما تكون علاقة عقلية، لكن لو رجعنا إلى أنفسنا هل نتحسس الله في قلوبنا، كما نتحسس الناس في قلوبنا؟
أنت تحس بحضور الإنسان أمامك فتخجل منه ولا تستطيع أن تخرج عارياً أمام طفل صغير يبلغ من العمر سنتين لأنك تشعر بحضوره، ولكن أنت تذنب وتعمل كل شيء أمام الله، سبحانه وتعالى، لأنك لا تشعر بحضوره.
قراءة القرآن، الأدعية، الصلاة، الفكر، هذه كلها وسائل لأن تتعمق مشاعرك بالله بحيث تشعر كما لو كنت تراه "خف الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
الدعاء انفتاح على الحياة:
ونحن عندما ندرس الأدعية المأثورة في هذا الشهر، فإننا نجد فيها تنوّعاً في الأغراض والمضامين والأساليب، ووحدة في الجو الروحي الذي يثير في الإنسان المشاعر والأحاسيس التي يتطلع فيها إلى الله وإلى الحياة المسؤولة في علاقات الناس بعضهم ببعض وبالواقع من حولهم، في ما يريد الله لهم أن يأخذوا به من أوضاع وعلاقات..
وقد نحتاج إلى نوع من الدراسة التحليلية التي تتعمق في تحليل العناصر المتنوعة في البناء الروحي للشخصية الإسلامية، وفي الطريقة التي تتحرك فيها التربية الإسلامية في إقامة العلاقات بين الإنسان وبين الله... على الأساس الذي يحافظ فيه الإنسان على إثارة كل مفردات العقيدة بالله في صفاته وفي أفعاله لينطلق منها إلى تحريك كل جوانب الحق والخير في حياته، فلا يكون الدعاء مجرد استغراق ذاتيّ في الذات الإلهية.. بل يكون، إلى جانب ذلك، انفتاحاً على كل الحياة الخيّرة في آفاقها الفكرية والعملية، من خلال الانفتاح على الله، وحركة من أجل الحديث عن نقاط الضعف الذاتية في الإنسان، للوصول من خلال الجو الروحي الخاشع لله في دائرة الاعتراف، إلى تحويلها إلى نقاط قوة للشخصية الإنسانية على أساس استمداد القوة من الله...
وهكذ تمثل الأدعية المأثورة في شهر رمضان ـ كما في غيره ـ برنامجاً حياً متحركاً للتعبئة الروحية المتداخلة مع التعبئة الفكرية، إضافةً إلى العنصر التربوي الذي يملك المضمون والأسلوب في ما بين هذا وذاك.