العدد 202- 1 أيلول- 2010
 
بحث في الموقع
سيّد البيّنات رحل
مجلة الأسبوعية
ليلة القدر: سلام للروح وسرٌّ من أسرار الله
المصدر: من تفسير من وحي القرآن
شهر رمضان موعد للانفتاح على الذات
العلامة الشيخ حسن الصفار
 
صحيفة الحياة
صحيفة السفير
شبكة الإعلام العراقية
BBCأخبار
CNN أخبار
الميدل إيست اون لاين
صحيفة الزمان
 
أدخل بريدك الالكتروني
 
بينات والعالم
إعداد بينات العراق
 
(الاجتهاد) للعلّامة محمد حسين فضل الله الإسلام فاعلية عقلية ووجدانية معاً
د. خنجر حمية 
2009-05-16
 
يكشف كتاب العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله الجديد: "الاجتهاد بين أسر الماضي وآفاق المستقبل"، عن جملة هموم فكرية دينية ومعرفية، شكلت إطاراً لانشغاله منذ سنوات طويلة، تتصل من جانب بالفاعلية النفسية والاجتماعية للمفاهيم الدينية للإسلام ولمنظومة الاعتقاد التي أعلن عنها، وبالحركية التي تتميز بها مبادئه وقيمه وتصوراته التي اشتمل عليها واحتواها.

تأصيل المشروع المعرفي:
وترتبط من جانب آخر بالقيمة التي منحها هذا الدين لأشكال الفهم المتنوعة ولآليات الاستيعاب التي يتفتق عنها الزمن في سير تكامله، وتتكشف عنها المعرفة البشرية في مراحل نضوجها وتراكم بنيانها. ولقد راح السيد العلامة يعمق وجهات نظره فيما يتصل بهذين الجانبين، ويسبر أغوارهما كلما أتيحت له فرصة ذلك، أو حرضته عليه فكرة أثارته، أو مقولة استفزت عقله أو رأي حرك فكره... أو واقعة لامست قناعاته.
والمتابع لنشاط هذا العلامة المفكر ونتائجه، يدرك بعمق طبيعة المشروع المعرفي ? الديني الذي ينشغل به ويعمل عليه تأصيلاً وتطويراً، وطبيعة المواقف المعرفية الراسخة العميقة التي ينطوي عليها مذهبه أو تحتويها رؤيته... والعقل المتبصر الذي احكم منطقه وركز أساسه على فهم عميق للدين في إبعاده ومضامينه، وفي غاياته ومقاصده، وفي فاعليته وتأثيره، وعلى وعي تام للحراك البشري في دوائره المختلفة المتنوعة وفهم نافذ مستغرق لأحداثه ووقائعه وتبدلات أحواله. اعني الذي أقامه على استواء رؤية، وعمق تدبر، وشمولية ثقافة، وحركية وعي، واستقامة منهج وثبات طريقة.
فهو إذن ينتمي بشكل أو بآخر ? على شيء كبير من الخصوصية ? إلى تلك الدائرة من المفكرين المسلمين المعاصرين الذين انخرطوا في ميدان التجربة، مرشدين موجهين، متابعين عن كثب قضايا الحياة ومشكلاتها، وتعقيدات الاجتماع وتحولاته... وتعاظم ميادين المعرفة وتشعبها، وتوسع شكل العلاقات الإنسانية وتعقدها، والتطورات التي أصابت أشكال العيش وأساليب الحياة، والتحولات العظمى التي ألقت بظلالها على حضارة البشر الراهنة في الشكل وفي المضمون. والذين عكفوا من جانب آخر على تلمس موقف الإسلام المتحرك في خضم كل ذلك، مستغرقين على تلمس آفاقه الرحبة الفسيحة ودلالاته الخصبة الغنية، وأبعاده العميقة القصيّة، المتفاعلة مع الحياة في سيرورتها وتقلّبها، وفي تصاعدها وانخفاضها، وفي بساطتها وتعقدها. في استنارة عقل ووضوح طريقة وسلامة منطق، في مقاربة مجتهدة، تنير خفايا الراهن، وتبين ملتبساته، وتجيب على أسئلته المستفزة المحرضة، أو المشوشة المعقدة، أو رهاناته الملتبسة المتشابكة.
ولأن العلامة فضل الله يرى الإسلام شريعة للحياة ونظاماً يمتد في مدى الزمن مستجيباً لتحدياته، مستوعبا لمتطلباته، مواكبا حركته، حاضرا في خضم سيرورته وتبدله، فانه ركز منهجه في القسم الأول من كتابه هذا على فكرة أن الإسلام لا يستوعب كنظام مجرد معزول عن الوقائع، ولا يجمد في دائرة الفكر كمفاهيم ثابتة لا حياة فيها ولا روح، ولا يعلّب في نظم معرفية ساكنة مغلقة تتطلب اتساق الفكرة وانسجام المنطق، على حساب التطبيق والحضور في مستوى الوعي أو في مستوى العمل. واستناداً إلى هذا المنهج اندفع في فقرات مترادفة متناسقة تخاطب العقل وتلامس الوجدان، إلى تأكيد أن الاعتقاد الإسلامي في جملته كما يتصل بالفاعلية المعرفية ومستوى العقل والإدراك، فهو يتصل كذلك بالفاعلية النفسية والاجتماعية. فيخاطب الضمير والوجدان ويحرك العاطفة والشعور، ويلامس الوعي كما يلامس الفكر، فيحرك في الإنسان إحساسه الداخلي مستجيباً لشعور عميق فطري بوحدة الخالق المدبر الذي منحه وجوده، وأودع فيه قواه ليتحسس وحدة ذاته ويعي جماع قدراته وجملة طاقاته، فيستشعر قوته في مواطن الضعف، وهدوء فكره في مواطن الاضطراب، ويتحسس العناية الإلهية به في كل أموره، فيعيش الطمأنينة والرضا في خضم ما يحيط به من عوامل القلق والضياع. فللاعتقاد الإسلامي اذن فاعلية نفسية لا تقل أهمية عن فاعليته المعرفية، وهي فاعلية ترتقي بالكائن وبملكاته ووعيه فوق حدود التفرق والتجزئة والتشتت، وترتفع به فوق صعيد الخوف والقلق والضياع ? تلك التي تشل طاقاته وتدمر قدراته وتضعف من قوته وتقلل فاعليته ? وتمنحه شعوراً بالتسامي في كنف العناية الالهية وفي رحاب الحضور الالهي، فيندفع في الحياة، فاعلاً في اجتماعه، منسجما مع بني جنسه، متبصراً وحدة الاجتماع البشري ووحدة الكون من حوله، التي تتبدى كانعكاس لوحدة خالقها ومدربها وراعيها، الذي يندفع بها في خضم سياق واضح المعالم، وسيرورة محدودة الأهداف والمقاصد، وتجربة مكابدة بيّنة الغايات والنهايات. فيسعى مجسداً في كل حراكه سمو المعاني الإلهية التي يختزنها في وعيه، ويعيشها في عمق شعوره، ويتبصرها في حنايا وجدانه، عدلاً في مواقع العدل، واستقامة في مواقع الاستقامة، وحنواً في مواقع الحنو، وعزماً وصلابة في مواقع الصلابة والعزم الخ... مدبراً طاقاته وقدراته وإمكاناته، مستغلاً ما ينكشف أمامه من حدود العالم الذي يحيط به، ضمن نطاق الهدفية الكلية للعالم، وفي سياق السعي نحو الغايات القصية للوجود، وفي إطار مكابدة العيش في ظل أهدافه السامية والكلية.

فاعلية عقلية وجدانية:
وفي سياق كهذا لا يعود الاعتقاد الإسلامي حسب ما ينظر العلامة فضل الله منظومة مفاهيم مجردة فحسب، ولا رؤية فكر أو حجة عقل... بل فاعلية عقلية ووجدانية معاً، رؤية فكر وحياة شعور، قناعة واستجابة وجدان، منطلق عمل... أو تجربة عيش ومكابدة وجود... ولان السيد فضل الله يرى الاعتقاد كذلك، فإنه ينعى على تجربة الفكر في الإسلام في كثير من محطاتها تحويلها نظام اعتقادنا إلى مجرد مفاهيم وتصورات لا ينعكس مضمونها في الحياة المشخصة للمسلمين، ولا تترك أي اثر يذكر في دائرة حياتهم الروحية والوجدانية، ولا تتبدى في مستوى الوعي أو الشعور... مما جعلها مفاهيم مجردة لا حياة فيها ولا روح ولا تأثير لها ولا فاعلية، ولا دافعية لها ولا تحريك، فولد ذلك جمودا لا حدود له في مستوى الفكر من جهة وفي العمل من جهة أخرى، حينما انقلب انشغالنا على هذه المضامين العميقة في دائرة الاجتماع الإسلامي جدلا يتطلب الإخضاع أكثر مما يتطلب الواقعية، ويطمح إلى تأكيد النصر في خضم صراع الأفكار أكثر من طموحه إلى تأكيد الحقيقة ووعيها والعيش في رحابها... فجمد ذلك فكرنا، وأورثنا التعصب والانغلاق والتقوقع، وقصر بنا عن أن نندفع إلى حدود مضامين الاعتقاد لنستلهمها في خضم حياتنا، ولنتبصر دلالاتها على ضوء تجاربنا، ولنوجه حياتنا في ظلالها ومن وحيها... فشلت بذلك فاعليته بعد أن كان حرك في المسلمين في ما مضى طاقاتهم، ودفع بقدراتهم في خضم بناء مجتمعهم وتشكيل حضارتهم وتأسيس عمرانهم... فسادوا الأمم في عقود قليلة من الزمن، وأبدعوا في مجالات العلم والمعرفة والفكر، وأسسوا حضارة جعلتهم معلما متميزا من معالم التاريخ، وأمة فاعلة في خارطة الأمم، مندفعين في رحابها، مؤثرين في تشكيل معالمها، على غير صعيد.
والإسلام بحسب العلامة فضل الله، يحاول أن يكون وعي الإنسان بنفسه في وضوح رؤية واستقامة طريقة، باعتباره جزءا من تاريخ الوجود فاعلا فيه مؤثرا في حركته، لا كشيء ضائع حائر في ضبابية وجوده، بل كجزء من مسيرة إنسانية تؤثر فيه، وتصنع له ذاكرة هي ارثه العام، وتحدد له مستقبلا يصنعه بنفسه كتاريخ جديد له، من خلال جهده وعمله اللذين يؤسس عليهما قاعدته وجذوره وأبعاده وامتداده، مدركا حدود مسؤوليته عن صنعه في كل مجالاته وميادينه، متبصرا الأهداف والغايات التي يندفع إليها حراكه... مستثمرا في سبيلها كل قدراته، في انسجام قانون واستقامة نظام، وفي ترابط شامل بالكون من حوله وبنظام الوجود الذي يحيط به وبسنن التاريخ التي تضبط إيقاعه.
فيمتد من خلال ذلك الإيمان بالله فيما يجسده في نفس الإنسان من قيم راقية سامية إلى الاجتماع الإنساني برمته، ليشمل في رحابة امتداده كل نواحي الحياة عبر علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين.

انفتاح على الحياة:
فالاعتقاد الديني بحسب هذا المنهج الذي يؤسس له العلامة فضل الله وينطلق منه ليس استغراقا في الغيب ولا هو جمود أو تحجر أو سكون، انه انفتاح على الحياة وعلى الوجود في كل محطات حراكه وتقلبه وسيرورته، وهو انفتاح على الإنسان في فاعليته العقلية والنفسية، وفي توقد شعوره ووجدانه ورقي وعيه، وحضور راسخ في مستوى طاقاته وقدراته وفي مستوى مسؤوليته تجاه مصيره وتجاه مجتمعه وتجاه العالم الذي يعيش فيه. انه الغيب الذي يدفع الإنسان إلى تلمس حركة التاريخ، فاعلا فيها حاضرا في خضم أوضاعها، انطلاقا من مسؤوليته، ومن إحساسه بالقوة التي يمنحه إياها شعوره العميق بقدره خالقه وبهيمنة إرادته على الوجود في كليته وشموله. انه الاعتقاد الذي ينفتح على الإنسان في جملة ما يشكل وجوده، على عقله لينطلق هذا العقل في ميادين المعرفة والاكتشاف طمعاً في وضوح الحقيقة، وعلى وعيه وشعوره لينطلق هذا الوعي أو هذا الشعور في ميادين الرحمة والتسامح والرأفة والعدل، وعلى فاعليته الحركية لتنطلق في ميادين البناء والصنع والعمران. انه الغيب الذي يتحرك في التاريخ لينير طريقه، وليضيء السبل أمام الإنسان فيه، فلا يتيه ولا يضيع، ولا يخاف ولا يضطرب، ولا ينحرف ولا يزيغ، ولا يضل ولا يغفل...
ومثل هذا الفهم للاعتقاد الديني يحمّل الإنسان مسؤولية مضاعفة، الأولى مسؤولية الفهم الواعي للدين ولآفاقه الرحبة القصية، ولمضامينه العميقة الراسخة، في انفتاحها على الإنسان والحياة، وفي استجابتها لحركة الوجود المندفع ولتقلبات أوضاعه، مستنداً في ذلك إلى الحجة والبرهان، والى العقل في طاقاته على الفهم والتفسير والتأويل، وعلى المعرفة الإنسانية الواعية والعميقة، في موضوعية لا انحياز فيها، وفي سلامة موقف لا عاطفة تخالطه أو عصبية رؤية تداخله، وفي اندفاعه نحو الحقيقة مجرد من الأغراض الضيقة والمصالح العابرة السطحية، في اجتهاد متحرر من اسر التقاليد، ومن قيود الماضي، ومن سلطة الموروث وسطوته ? أو متبصر لا فرق ? يوازن بين الدين والحياة، أو بين مضامين الدين وما تتطلبه حركة الحياة من استجابة تجاهها، توفر لها الحلول وتكفل لها الإجابات الحاسمة النافعة على مقتضياتها وأسئلتها ومستجداتها، وهو يتطلب من جهة أخرى وعياً بحراك العالم وسيرورته وإدراكاً عميقاً لأوضاعه ونوازله، وتبصراً واعياً بحوادثه ووقائعه وبتعقيداته وتشعب علاقات البشر في خضم حراكه، ليكون الدين ? الذي انزل لخدمة طموحات البشر المشروعة، وتوفير السبل الناجعة لهم ليبلغوا أهدافهم على ضوئها ومن خلالها ? اقدر على مواكبة البشر في خضم حراكهم، وتوفير الإجابات الكاملة على هواجسهم، ورسم ملامح النظام الذي يكفل لهم سلامة العيش واستواء الفعل واستقامة الحركة، لينالوا مقاصد وجودهم وليبلغوا نهاياتهم وليصلوا إلى غاياتهم في انسجام تام مع غايات الوجود القصية التي يندفع العالم نحوها على ضوء الهدي الإلهي ومن وحيه.

الاجتهاد المتحرر:
كتاب العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله: "الاجتهاد بين أسر الماضي وآفاق المستقبل" تبصّر عميق للفاعليات النفسية الاجتماعية والحركية للدين... وانشغال متبصر بالدلالات الإنسانية الراسخة التي يحتويها، ورؤية في الاجتهاد المتحرر الذي ينير آفاق الحاضر، ويضيء طرق المستقبل، ويستلهم الدين في أعمق أبعاده واغني مضامينه، والذي يستند إلى العقل في صفاء مبادئه، ويرتكز إلى الوجدان في سلامة أحكامه، ويستلهم الفطرة في ثبات ما تعبر عنه وتنطوي عليه، في وضوح موقف وصفاء رؤية ودقة أحكام، ليست غريبة على مفكر انفق عمره في تلمس آفاق الإسلام الرحبة العميقة والغنية. ومضامينه المتحركة النابضة بالحياة، وإبعاده القصية التي لا تنفد ولا تنتهي ولا تنضب.


*استاذ جامعي
 
 
للتعليق على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق