العدد 202- 1 أيلول- 2010
 
بحث في الموقع
سيّد البيّنات رحل
مجلة الأسبوعية
ليلة القدر: سلام للروح وسرٌّ من أسرار الله
المصدر: من تفسير من وحي القرآن
شهر رمضان موعد للانفتاح على الذات
العلامة الشيخ حسن الصفار
 
صحيفة الحياة
صحيفة السفير
شبكة الإعلام العراقية
BBCأخبار
CNN أخبار
الميدل إيست اون لاين
صحيفة الزمان
 
أدخل بريدك الالكتروني
 
بينات والعالم
إعداد بينات العراق
 
| العلامة المرجع السيد فضل الله لقناة آفاق العراقية
 
2009-06-04
 
مفخرة من مفاخر الأمة الإسلامية في العصر الحديث، ومثال حيّ للعالِم العامل الذي تنتفع الأمة بعلمه، خاض غمار العمل والتحرك الإسلامي على المستوى الفكري والسياسي والاجتماعي، وترك بصمةً بارزةً في جميع هذه المجالات، بصمة لا ينكرها حتى خصومه أو خصوم منهجه الإصلاحي والتجديدي... امتدّ تأثيره في واقعنا الإسلامي أفقياً وعمودياً، ولم يتوقف عند حدود جغرافية أو دينية أو مذهبية، وكان من مراكز الثقل في المواجهة بين تيارات الإيمان وتيارات الإلحاد، وكان أيضاً قطباً من أقطاب الحوار الساخن بين التقليدي والتجديدي...هو آية الله العظمى، سماحة السيد محمد حسين فضل الله، العلامة المرجع والمجاهد والقائد لتيار فكري واسع له أتباع ومؤيدون في كل من لبنان والعراق وغيرهما، الذي أجرت قناة "الآفاق" الفضائية حواراً مطوّلاً معه:
الحركات الإسلامية: آفاق وتحديات
س: نبدأ حديثنا معكم سماحة السيد من المحور الأكثر إلحاحاً في واقعنا اليوم، الحركات الإسلامية والتحديات الّتي تواجهها في المرحلة الراهنة؟
ج: لقد كان نشوء الحركات الإسلامية في العالم، على أساس أن تفتح للإسلام أفقاً حركياً جديداً يمكن له أن يتحول إلى تجربة حية في حياة المسلمين، بحيث يكون الإسلام، كما كنا نقول في مجلة "الأضواء"، قاعدةً للفكر والعاطفة والحياة. وهكذا انطلقت الحركة الإسلامية التي أصيبت بما أصيبت به المذاهب الإسلامية من التنوعات التي تختزن الكثير من التعقيدات التاريخية، بحيث إننا بدأنا نرى في الحركات الإسلامية تبنّياً لمذهب دون آخر، وبطريقة لا تخلو من التعصب ضد المذاهب الأخرى.
كما أن بعض الحركات الإسلامية التي انفتحت على تجربة حية في مسألة ممارسة الحكم، سواء كانت شاملةً أو محدودةً، عاشت تحت الضغوط الدولية والإقليمية، وحتى الشعبية، من خلال التنوعات التي تعيشها الشعوب الإسلامية التي دخلت في حركيتها الواقعية في بعض الاتجاهات الفكرية العلمانية، كالشيوعية والقومية، أو الاتجاهات الاقتصادية، كالاشتراكية والماركسية في جانبها الاقتصادي.
ولذلك فقد كانت هذه التجربة الجزئية للحركة الإسلامية محاطةً بالكثير من التعقيدات الواقعية، ولعلّ بعض هذه الحركات نشأ في ظلّ نظام علماني أخذ من التعصب الديني مضمونه، فأصبح تعصبه للعلمانية أشد عنفاً من التعصب الديني، فلم يسمح للحركية الدينية بالامتداد، وهذا ما نلاحظه في تركيا التي يمثّل الإسلام فيها امتداداً واسعاً، وهو ما تجسّد من خلال الانتخابات التي خاضتها الحركة الإسلامية التركية، ولكن على الرغم من الفوز الذي حققته هذه الحركة، إلا أنها لا تزال مهدّدةً بالإلغاء إذا قامت بتقنين بعض القوانين التي تقترب أو تنفتح على بعض الأحكام الإسلامية، كمسألة حرية الحجاب في الجامعات ومراكز الدولة وما إلى ذلك.
ثم إننا نلاحظ أيضاً أنّ بعض الحركات الإسلامية عاشت في ظلّ التحدي الكبير الذي واجهته الأمة، ولا سيما الأمة العربية، وهو التحدي المتمثل بإسرائيل، والذي يتكامل ويتفاعل مع التحدي الغربي، إذ انطلقت هذه الحركات على أساس الموقف الجهادي الذي استوعب كل نشاطاتها، بحيث فقدت أي نوع من أنواع العمق والامتداد في الثقافة الإسلامية، فأصبح المجاهدون يتحركون في عالم المقاومة العسكرية أكثر مما يتحركون في عالم المقاومة الفكرية والمقاومة السياسية.
إننا عندما نرصد كل هذه التنوعات في الحركة الإسلامية، نجد أنها لم تستطع أن تحقق أهدافها الكبيرة في العالم الإسلامي، وخصوصاً أن بعض هذه الحركات التي عاشت تجربة الحكم، شغلت بمسألة الدخول في خطوط الحكم التفصيلية حتى عن الثقافة الإسلامية التي كانت هي الجذر الذي انطلقت منه.
لهذا فإن المسألة بحاجة إلى دراسة جديدة تنفتح على الحركات الإسلامية من الداخل، لتدرس، هل يمكن إيجاد حركة إسلامية عالمية تتوحد في التنوع، بحيث لا يكون التنوع حاجزاً بين حركة وحركة، بل يكون غنًى لكلٍّ من هذه الحركات؟ وثمّة ملاحظة في هذا المجال، وهي أنّ الشخصانية عند الكثير من قيادات هذه الحركات تتقدم على المبدئية.
إنني في الوقت الذي أرصد هذا الواقع، قد أجد فيه إيجابيات، ومنها جعل الإسلام يدخل في العالم، سواء من خلال خصومه أو من خلال مؤيديه، حتى إن الكثير من الحركات التي تجعل الإسلام عنواناً لها، وتتحرك بأسلوب متطرف وتكفيري وما إلى ذلك، لا تخلو من إيجابية، وهي أنها أدخلت الإسلام إلى كل بيت في العالم من خلال سلبياتها الكثيرة.
لذلك نقول إن الإسلام دخل العالم من خلال هذه التنوعات في الحركات الإسلامية، وأصبح موضع جدلٍ في العالم من قِبَل الباحثين ومراكز الدراسات الإسلامية وغيرها، إلا أن هذه الحركات لم تستطع أن تفرض نفسها على الواقع، بحيث تشمل في حركيتها كل جوانب الواقع، حتى إننا نلاحظ أن قضية تطبيق الشريعة الإسلامية أو عودة الإسلام إلى الحكم، يمثل في أكثر من بلد إسلامي جريمةً يعاقب عليها القانون.
وهذا ما نلاحظه في هذه الأيام عندما صوّت البرلمان الصومالي على مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية فيها، أو عندما دخلت بعض المناطق في باكستان مع الحكومة الباكستانية في أمر تطبيق الشريعة الإسلامية في منطقة القبائل، إذ شُغل العالم بهذه الظاهرة، واعتبرها ظاهرةً متخلّفةً وظاهرةً تخلق المشاكل وما إلى ذلك.
نحن لا نريد من ذلك أن نصدر حكماً سلبياً على الحركات الإسلامية من خلال ملاحظة نقاط ضعفها، ولكنّنا ندعو إلى دراسة معمّقة على مستوى النظرية والتطبيق.

الحركة الإسلامية وتجربة الحكم
س: ذكرتم، سماحة السيد، أكثر من مثال حول ما خاضته الحركة الإسلامية، من ذلك تجربة الحكم... لكن ممارسة الخطّ الإسلامي المعتدل لتجربة الحكم مثّلت تحدّياً جديداً للإسلام بنـزوله من موقع التّنظير إلى حيّز التطبيق، فهل أنتم متفائلون بهذا التطوّر؟ وما هي إرشاداتكم؟
ج: إنّ دخول الإسلام إلى الواقع يمثِّل جرعةً من التفاؤل، لا كلّ التّفاؤل، لسببٍ بسيط جداً، وهو أنّ الحركات الإسلامية لم تستطع حتى الآن أن تقدّم على مستوى النظرية نظاماً إسلامياً ينفتح على كلّ قضايا الإنسان في الحياة، سواء في الجانب السياسي أو في الجانب الاقتصادي أو في الجانب الأمني...لأنّ القائمين على شؤون الحركات الإسلاميّة كانوا مشغولين بمواجهة التحدّيات الّتي انطلقت ضدهم من خلال الدكتاتوريات أو من خلال الاستعمار الغربي أو من خلال المشاكل المذهبية والداخلية التي أشغلت هذه الحركة عن التفكير في الخطوط العامة التي تحكم حركة الإسلام في العالم، لأن كل حركة إسلامية، إلا البعض منها، تعيش في داخل الإقليم الذي ولدت فيه، بحيث أصبحت تتحرك في دائرة الاهتمام بالحدود الإقليمية أكثر من الاهتمام بالأفق الواسع الرحب للإسلام، كما جاء في الرسالة الإسلامية: {وما أرسلناك إلاّ كافّةً للناس بشيراً ونذيراً} [سبأ:28] {وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين} [الأنبياء:107].
هذا الواقع جعل الحركة الإسلامية تنكمش داخل هذا الإقليم أو ذاك الإقليم، فانشغلت بالخصوصيات الإقليمية عن الخطوط الإسلامية، وهذا ما لاحظناه في أكثر من حركة إسلامية كانت تحاول أن تنفتح، ولكن ظروفها الداخلية والتحديات التي كانت تواجه قياداتها وأعضاءها جعلتها تعيش في دائرة محدودة.

مواجهة الخطّ التكفيري
س: سماحة السيد، ذكرتم قبل قليل بعض السلبيات في التوجه التكفيري لبعض الحركات الإسلامية، والذي ربما أسهم بعض الشيء في نشر الإسلام كما ذكرت في مناطق غربية، ولكن بطريقة سلبية. في رأيك، ما دواعي هذا التوجّه؟ وما السبل لتطويق هذه التداعيات الخطيرة في المنطقة؟
ج: لعلّ المشكلة في الخطِّ التكفيري، أنه يستمد فتاواه ومفاهيمه من خلال وضع تاريخي معقّد انطلقت فيه السلفية المعقّدة من بعض النصوص في عملية فهمها للدين، بحيث أصبحت تعتبر أن اختلاف الآخرين معها، من المذاهب الإسلامية أو الحركات الإسلامية، في الجانب الاجتهادي، في توثيق النص أو فهمه، يعتبر خروجاً عن الإسلام، ويعتبر شركاً وارتداداً، كما نسمعه الآن من بعض المحاور المذهبية الخاصة التي تكفّر المسلمين بالمستوى الذي تستحلّ فيه دماءهم، على خلاف ما جاء به الله تعالى، وعلى خلاف قول رسوله(ص): "كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه"، مع أن الفقهاء يقولون إن الكفر، لو كان هذا كفراً، لا يبرِّر القتل، بل ما يبرّره هو الحرابة.
ولذلك فإن القرآن الكريم ينهى عن قتل الإنسان المسالم أو اضطهاده: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين* إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون} [الممتحنة:8-9].
فمشكلة هؤلاء أنهم لا يزالون يعيشون الجحود الفقهي الذي يجمد عند حرفية النص دون أن يعيشوا آفاقه، والذي يستمدّ خطوطه من الواقع التاريخي المعقّد الذي عاشه المسلمون في تنوّعاتهم المذهبية، لا بين السنّة والشّيعة فحسب، بل بين السنّة أنفسهم والشّيعة أنفسهم، ثم دخل الاستكبار العالمي والكفر العالمي في عملية تحالف لاستغلال هذه الهوّة الكبيرة بين المذاهب الإسلامية، وبالتالي بين بعض الحركات الإسلامية، من أجل إسقاط وحدة الأمة وإجهاض كل حركة معارضة للسياسة الاستكبارية، ولا سيّما الغربية وغير الغربية من الذين يعادون الإسلام ويعتبرونه مشكلةً لمصالحهم في العالم.
لذلك أصبحت المسألة تتّصل بالخطّ السياسي الدولي في علاقات البلدان الإسلاميّة بالدول الكبرى التي تعتبر أنّ المناطق الإسلامية هي المناطق التي تحقق لها الرخاء من جهة الثروات البترولية أو المعادن الموجودة في أعماق الأرض، كما في أفريقيا وغيرها، أو في المواقع الاستراتيجية الأخرى.
لذا علينا أن نواجه كلّ ذلك بأن نقاتل على مستويين؛ أوّلاً على المستوى الثّقافي، لنؤكّد أنَّ الإسلام لا يمثّل هذه السلبيات التي تُنسب إليه، فهو ليس ديناً إرهابياً ولا ديناً متطرّفاً، بل إنّه يمثل الاعتدال الحضاري الذي يمكن أن ينفتح على الحضارات الأخرى ويتكامل معها في بعض ما يلتقي به معها في خطوطها العامة؛ وثانياً على المستوى السياسي، بالوقوف ضدّ الخطّة التي يقودها المستكبرون والكافرون الّذين يعملون على إبقاء هذا التمزّق بين المسلمين بسبب عصبيّاتهم المذهبية التي وصلت إلى حدّ أن يكفّر بعضهم بعضاً، وأن يتحركوا ليعيشوا في التاريخ بدلاً من أن يعيشوا في الحاضر من أجل صناعة المستقبل الإسلامي الكبير.

أجرى الحوار: محمد الحمد

 
 
للتعليق على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق