العدد 202- 1 أيلول- 2010
 
بحث في الموقع
سيّد البيّنات رحل
مجلة الأسبوعية
ليلة القدر: سلام للروح وسرٌّ من أسرار الله
المصدر: من تفسير من وحي القرآن
شهر رمضان موعد للانفتاح على الذات
العلامة الشيخ حسن الصفار
 
صحيفة الحياة
صحيفة السفير
شبكة الإعلام العراقية
BBCأخبار
CNN أخبار
الميدل إيست اون لاين
صحيفة الزمان
 
أدخل بريدك الالكتروني
 
بينات والعالم
إعداد بينات العراق
 
| الاستقـامة العمليـة
 
2009-09-05
 
تقدّم الحديث عن عنوان الاستقامة في القرآن باعتباره الخط العريض الذي يحكم حركة الدعوة في مضمونها وفي أسلوبها وفي كل الأجواء التي تحيط بها، كما يحكم الحركة في ساحة الصراع عندما يقف الإسلام في مواجهة الكفر والمسلمون في مواجهة الكافرين والمستكبرين، فلا بد من أن يكون هناك خط يحدّد منذ البداية ما يوصل إلى النهاية، بحيث لا ينحرف يميناً ولا شمالاً، وقد تنوّع الخطاب الذي وجّهه الله سبحانه للرسول(ص) الذي هو نبيّ الاستقامة، لأنه هو الذي حمل الرسالة التي ليس فيها أي ميل أو انحراف، حيث خاطبه الله سبحانه وتعالى عندما أرسله بقوله تعالى: {فادعُ واستقم كما أمرت}، فقد أمر الله رسوله أن يستقيم على كل ما أوحى به إليه، سواء كان ذلك في خطِّ العقيدة، بأن يسير عليه ولا ينحرف يميناً أو شمالاً بما يبتعد به عن كلِّ ما في العقيدة من مضمون، أو في خطِّ الشريعة، بأن يستقيم ليكون الإنسان الذي يلتزم بما خطط الله له من الشرع، فليس له أن يزيد حرفاً أو ينقص حرفاً خارج ما أوكله الله إليه في خط الدعوة وفي خط التشريع، وهكذا في حركة الصراع في ساحة الحرب والسلم.

فلذلك قوله تعالى: {فادعُ واستقم كما أمرت} [الشورى:15]، يؤكد لنا أن النبي(ص) لم يخطىء في أي فكر ينفتح عليه الوحي، ولا في أي حكم يشرعه الله، ولا في أيِّ منهج يؤكده القرآن، بل إنه يمثل الاستقامة الفكرية التي تبدأ من الحق وتنتهي إليه، فلا تقترب من الباطل. أما في الاستقامة العاطفية، فإنه لا يميل من خلال عاطفته إلى غير الحق، بل إنه يحب كل ما أحبه الله ومَن أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله ومَن أبغضه الله.

وهكذا، فهو يمثل الاستقامة العملية في خطِّ العلاقة والمعاملة والموقف على أساس العدل، فلا يظلم أحداً حقه، ولا يبتعد عن الحكمة والموعظة الحسنة في اٍلأسلوب، ويتحرّك على أساس أن يفتح عقول الناس عليه من خلال ما يفتحه من قلوب الناس عليه. لذلك من خلال هذه الاستقامة الشاملة لكل ما عليه النبي(ص)، جعله الله قدوةً في حياته كما هو قدوة في دعوته، وهذا هو قول الله سبحانه وتعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} [الأحزاب:21]. وكذلك قوله تعالى متحدّثاً عن خطاب النبي للناس الذي يحدّد لهم مقياس الصدق في محبة الله: {قل إن كنتم تحبون الله فاتّبعوني}، أي في ما أتكلم به، وفي ما أعمل به وفي ما أثيره من خط فكري هنا وخط فكري هناك، اتبعوني لأن كل ما يصدر عني هو بعين الله وفي خطه، ومما أوحى به، فهو الصدق كله وهو الحق كله {يحببكم الله} [آل عمران:31]، فليس هناك أية ازدواجية بين الخط الرسالي الذي يتحرك به الرسول في كل حياته في دعوته وفي سلوكه، مع الناس، وبين محبة الله سبحانه وتعالى، لأنه يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه.

{فادعُ واستقم كما أُمرت ولا تتبع أهواءهم} وذلك عندما يحاول كل واحد ممن حولك أن يطرح هوى نفسه ليجذبك إلى ما يهواه، كالكثيرين من الناس الذين يتجمعون حول القيادة، أية قيادة كانت، سواء كانت قيادة دينية أو سياسية أو اجتماعية، ليحركوا أهواءهم ليجتذبوه إليهم ليكسب ودّهم، وهذا ما أشار إليه الإمام علي(ع) في بعض كلماته عندما قال: "ليس أمري وأمركم واحداً، إنني أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم"، وفي بعض كلماته(ع) يقول: "إني أعرف ما يصلحكم ـ أي ما يصلحكم لتجتمعوا حولي ولتكونوا معي ولا تتفرقوا عني ـ ولكني لا أصلحكم بفساد نفسي"، لأن ما تصلحون به لا يكون باجتماعكم حولي بحيث أسير بحسب ما تهوون وتحبون لأحقق لكل واحد منكم شهوته ولأتبع هواه، لأنّي صاحب رسالة، وقد أخذت على نفسي أن أجعل نفسي على صورة الرسالة، وأخذت نفسي بالرسالة على أن أقودكم من أجل أن تطبقوا هذه الرسالة على حياتكم، لتجدوا السعادة والطمأنينة في الدنيا وفي الآخرة، ولتتقربوا إلى الله سبحانه وتعالى.

وعندما تلتقي مع أصحاب الأديان الأخرى والاتجاهات الأخرى، أعلن رسالتك الشمولية، وبيِّن للناس أنك لم تأتِ ناسخاً لمن قبلك من الأنبياء، ولم تكن ناسخاً لما قبلك من الكتب، ولكنك الرسول الذي جاء ليكمل الرسالات التي أرسل الله بها رسله وأنزل بها كتبه على رسله ليقوم الناس بالقسط تبعاً لحاجات الناس حسب مراحل الزمن والحياة في تنوع الحاجات، {وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب}، فأنا أؤمن بصحف إبراهيم وصحف موسى، وهي التوراة، وبالإنجيل والقرآن، وقد جئت مصدقاً لما بين يديه، لأن كل نبي يصدق النبي الذي قبله ولا يلغي رسالته، وإن كانت الحكمة تقتضي أن يغيّر بعض الأحكام، كما جاء في كلام عيسى(ع) {ولأحل لكم بعض الذي حرّم عليكم} [آل عمران:50]، وكما جاء في رسالة الأنبياء بعد آدم(ع)، فقد أحلّ الله في شريعة آدم أن يتزوّج الأخ أخته، لأنه لم يكن هناك إلا أولاد آدم. ولذا لا يمكن تكوين أسرة إلا من خلال ذلك، وعندما تنوّعت العلاقات، فأصبح هناك عم وخال وأولاد عم وأولاد خال وأولاد خالة أو عمة، حرّم الله زواج الأخوة من الأخوات، وأراد للأسرة أن تتحرك خارج نطاق ذلك، لأن الله هو الذي يُحل وهو الذي يحرم.

{وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم} [الشورى:15]، وقد أمرت بهذه الرسالة التي تقوم على العدل، لأن الرسالات قامت على أساس العدل، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: {لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد:25]، فالرسالات جاءت من أجل إقامة العدل بين الناس على جميع المستويات.

ولذلك أراد الله لرسوله أن يعلن طبيعة رسالته الشمولية التي تؤكد الإيمان بكل الكتب، ومن خلال ذلك بكل الرسل والرسالات، ثم أراد له أن يعلن العنوان الكبير للرسالة، لأن الرسالة لم تأتِ للسماء، بل جاءت للأرض {وأمرت لأعدل بينكم} [الشورى:15]، فالله أمرَ بأن أؤكد لكم شريعة العدل وأؤكد لكم حكم العدل، لأن العدل هو الذي يؤصل للإنسان إنسانيته، وهو الذي يحقق للحياة توازنها، وهو الذي يؤكد السلام في العالم كله.

وهذا ما نلاحظه من أن الرسالات قامت بالعدل، فكانت البداية في الرسالات هي بداية العدل، ثم ستكون نهاية العالم كما وُعدنا بذلك، إقامة العدل. فنحن نؤكد لكلِّ المسلمين، أن الله لا بد أن يبعث شخصاً إماماً حجةً على الناس يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، لأن حركة الرسالات استطاعت أن تحقق عدلاً محدوداً هنا وعدلاً محدوداً هناك، ولكن العالم لم يجد في كل تاريخه عدلاً شاملاً، بحيث يعيش الناس في كل أنماط حياتهم من دون أن يظلم أحدٌ أحداً، لا على المستوى الفردي ولا على المستوى الاجتماعي.

لذلك، أراد الله للدنيا أن لا تنتهي إلا أن يعيش الإنسان تجربة العدل الشامل الكامل الذي يشمل الإنسان كله في علاقته بنفسه، وعلاقته بربه، وعلاقته بالإنسان كله وبالحياة كلها، وبالحيوان أيضاً، وهذا هو ما ينبغي للإنسان المؤمن أن يعرفه، أنه لا إيمان بدون عدل، فمن لم يكن عادلاً في أهله فلا إيمان له، لأن العدل روح الإيمان، وهو أن تعطي لكل ذي حق حقه، وهذا ما أراد الله لرسوله أن يطرحه في الخط العام لرسالته.



من:
موعظة ليلة الجمعة ، بيروت: 6- 5 - 2004م.
لسماحة العلامة المرجع السيد فضل الله
 
 
للتعليق على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق