إن الدخول إلى "وعي الضباب" دخول في الغربة الحانية إلى الشوق لأمٍّ كانت وسوف تبقى فوق الفكرة، في الحلم، أمّ في الهتافات المتحانية إلى زمن الشوق والاطمئنان. فتترافق المعاني في الذاكرة كأنّ رجلاً يصنع ذاكرة جديدة للأجيال. سماحة العلامة المرجع، السيد محمد حسين فضل الله، وهو يكتب عن أمه في ذكرى غيابها يصنع ذاكرة جديدة للأجيال التي تولد كل يوم، وللأجيال التي لم تولد بعد.
هو في تكرار الكلمات وإن كان قديراً جداً، يعبر عن لا إمكانية في اللغة، للحاق في العاطفة بعاطفة الكلمات. هذا أمر فيه من الغرابة الشعرية، تعاط مع الذهول الذي يخلق الشعر. لأن الشعر مذهب أكثر منه عبارات. الشعر في قصيدة السيد محاولة أخرى ترفع بالأوزان من حلقة معهودة إلى اللامعهود في معرفة الاحتمالات:
... "وأمضي
وترحل بي الذكريات
وتشرق بسمة
وألمح كل عيون الحنان
وكل النقاء
وكل الصفاء..."
من هو هذا الذي يدخل في الإشراق الصوفي دخول اللمعة في البرق؟ فلا يعود فرق بين الأغنية والصوت. فعند اللهفة إلى زمن مضى:
هي الأمّ
التي يورق الخيال بكلماتها
رقّة وعذوبة
ورؤيا حبيبة...".
هي الأمّ، وإن تراكمت الكلمات تعبر عن الإحاطة بها، قطرة قطرة، كلمة كلمة، وكأن كل شيء في المعنى ابتداع.
إن شكل النصّ عند سماحة السيد محمد حسين فضل الله، تتابع منتظم للكلمات والصور التي لا تنتهي عند حانة الانتهاء من الصورة الشعرية، لأن المسألة هي في الإيقاع الداخلي للصورة، أكثر مما هي في انتظام العبارات. هنا تحصل إحداثية في النص الشعري وكأنها تلاطم في الموجة وهي تقترب من انتهائها. إن الموجة تنتهي في البحر، إلا أن البحر في القصيدة يبتدىء في مكان واحد، لينتهي في لا مكان. قد تكون هذه نظرية أخرى للشعر، إلا أن الشعر كما المحيط هو رؤيا حبيبة في غمرة الضياع. إن فكرة الضياع والغربة والنقاء والصفاء فكرة متلاحقة في "حيرة النظرات".
إن نمط الجملة في القصيدة، تنتظم حركة بنية الفكرة التي تتآلف تآلفاً غريباً مع العاطفة. مما لا يفرق بين العبارة واللهفة، بين الشوق والحكايا. فتغفو على السرّ الأهداف ليعاد كل شيء في الحضور أم في الغرب يقول:
"وتحملني كلمة
للغيوب البعيدة".
إن النص هناك ليس كلمات، النص غياب، لأن الأم قد ماتت: "أمي وقد ماتت، أحد هكذا قال" كما يرى صلاح ستيتية إلى موت أمه وإلى الغياب.
سؤال كبير تطرحه القصيدة. هل يكون الفرح في الذكرى أم في الابتعاد؟ هل الموت ضوء أم غياب؟ كيف تتحوّل الأشياء أحد، ويستطيع ذلك السيد محمد حسين فضل الله، حين يحول الغياب إلى حضور، والحضور إلى عاطفة. والعاطفة عنده هي دائماً في الابتداء، مما يدفعنا إلى مقاربة للنص مع نصّ آخر كتبه الشاعر صلاح ستيتية باللغة الفرنسية، بعد موت أمه هو أيضاً، فيقول:
"الآن
تمنع النار في البيت
أمي كلها ثلج
تلمع قليلاً في بيت الشحرور
في آخر دمعة لها تتيه في الهواء
من جهة النار هذه انطفاؤها
مكسر بورود طيبة
وفكّها مأكل للهواء...".
قد لا تجوز المقاربة في الشعر، إلا أن السؤال يطرح بقول حول قدرة اللغة وإن اختلفت، أن تطرح الفكرة الواحدة، العاطفة الواحدة، الصورة الجميلة.
إن الشعر وإن كان في اللغة هو أقوى من اللغة. لذلك وقد تحوّلت اللغة العربية في العصور، تبقى قصيدة البحتري أو المتنبي على وجه المثال متفوقة عليها، متقدمة في الزمن من وقت إلى آخر. ما هو السر الذي يبقي القصيدة؟ إنه سؤال أقوى من الشعر بحد ذاته، لأن قدرة ما تنتج حالةً ما، وإنتاج الحالة لا يتم إلا بعملية جديدة في الخلق أم في الإبداع. العاطفة الإنسانية التي تبكي الأم وقد ماتت، هي ذاتها عند كل الناس. إلا أن هذه العاطفة وقد دخلت في اللغة، تصنع حالة جديدة في الرؤيا وفي الإحساس. إنها مسألة نظرية إلا أنها حقيقية.
فوالدة السيد محمد حسين فضل الله، هي ذاتها أم صلاح ستيتية وأم كل الناس، إلا أن اللغة تحوّل هذه الأم إلى حالة في الصورة، إلى حالة في الكلمات.
يقول في القصيدة:
"... لأحيا هناك
بروحي وعقلي
على ضفة النهر
رؤيا جديدة
وتهفو ملائكة الغيب
حولي
وأحيا هناك...
وأغرق في الموج ـ عبر الغياب...".
عند هذا النص تتحطّم الحواجز في الوقت وفي المكان، لينتقل كل شيء من واقع إلى حلم إلى حقيقة إلى خيال. كيف تتكسّر في العاطفة كل هذه الأمواج؟ إنها أسئلة تبقى في الصمت. لأنّ الصمت أقوى من اللغة. فنعتبر بالتالي أن قصيدة السيد محمد حسين فضل الله، هي قصيدة في الصمت. إن الصمت هو أقوى من العاطفة، وهو أقوى من اللغة. إن القصيدة هنا هي قصيدة خارج اللغة، تتفوق عليها، تجعل منها محطة إلى انطلاقة نحو أمٍّ كانت ولم يبق منها إلا اسمها الجميل، الذي يتفوق على كل الأسماء:
"... مع الله
حيث يطوف الخيال
يحلق... يهفو
يرق... ويحنو
ويخشع... يمتد في رحلة الشهود
يعيش في الغيب
معنى الشهادة...".
هذه الكلمات، هذه الصور، هل هي في الشعر أم في الفلسفة؟ فإذا كانت الفلسفة جملة من الأسئلة فإن الشعر عند السيد فضل الله يتحول إلى سؤال الفلسفة أم الشعر؟ الحالتان سواء مَن يستطيع أن يفعل ذلك؟
"أحد هكذا قال"...
إن ارتطاماً في الزمن يحصل في حالة الشعر، هنالك مسافة تختفي في الزمن، فلا يستطيع أحد أن يقول غير أمي وقد اختفى اسمها في الموت. لذلك فإنه في الحالة الصوفية يحلّ الحلول ترتفع الرؤيا في اللغة حيث يزول المكان. إن مفاهيم المكان والزمان يمحوها الشر في حلوله محل ما بقي وما كان.
"فلا شيء إلا هو
ولا عمق إلا هو
وأمضي وأمضي
هنا وهناك
وأحيا مع اللنبع
في أمنيات البحار...".
ذلك لأنّ أُمّ السيد قد ماتت.
فلن يبقى إلا الله: هو في الحالة الصوفية يختصر الشعر ويبقي الأشياء.
مقطع من القصيدة
وتبقى الحياة
وتهربُ مني جمالاتُها
حكاياتُها
في طفولةِ عمري
غنائيّةٌ الهدهداتِ الحميمة
أراجيحُ روحي التي يشهقُ الضياءُ
بهزّاتِها
ويغفو العبيرُ
على وحيِها الضائعِ الأمنيات
وأمضي
وترحلُ بي الذكريات
تغيب طويلاً بوعيِ الضَّباب
وتشرقُ بسمةً
وألمحُ كلَّ عيونِ الحنان
وكلَّ النقاء
وكلَّ الصفاء
وسرَّ الطّهارة
خيالاً يهلُّ بروحِ الحقيقة
هي الأمُّ
أمّي التي يورقُ الخيالُ بكلماتِها
رقةً وعذوبة
ورؤيا حبيبة
وتفتحُ للطفلِ في غمرةِ الضَّياع
دورباً غريبة
وتهفو وتثغو
وتحضنُ في حيرةِ النظرات
طفولتي الهائمة
ولثغاتي الحالمة
وأحيا معَ النظرات
وأغفو مع الكلمات
وتختصِرُ العُمْرَ ضمّةُ أمّي
وقبلةُ أمّي
ولمسةُ أمّي
وإشراقةُ الحبِّ
في روحِ أمّي
فيا للعبيرِ الذي يرشفُ الضياءَ نديّاً
بأجفانِ وردة
ويا للربيعِ الذي يُبدعُ اخضرارَ المحبّةِ
في كلِّ شدّة
فينبضُ قلبي بكلِّ الأماني
ويشدو شعوري بأحلى الأغاني
وتنفتحُ اللهفةُ الحانية
على الحسِّ في الليلةِ الشاتية
لتنشرَ فيه بقايا الضّياء
وتوحي له بانفتاحِ السماء
على الصحوِ في بسماتِ اللقاء
ويمتد في وعيه الطفلِ سرُّ الشباب
عميقاً كعمقِ الجذور
التي يغسلُ النبعُ أعصابَها
وتغفو على السرِّ أهدابُها...
وتبقى هناك حكايا اللّيالي
عن الغدِ في أمنياتِ الدَّوالي
ويشردُ بي الوعيُ
في رحلةِ الشرود
الى الغيبِ في أفُقِ الكلمات
وتحملُني كلمة
للغيوبِ البعيدة
لأحيا هناك
بروحي وعقلي على ضفَّةِ النهرِ
رؤيا جديدة
وتهفو ملائكةُ الغيب
حولي
وأحيا هناك تسابيحَهم
وأغرقُ في الموجِ عبرَ العباب
وأبقى يحلّقُ فيّ خيالٌ
بعيدٌ بعيد
ويجذبُني للمهاوي السحيقة
بعمقِ البحار
حكايا التراب