العدد 202- 1 أيلول- 2010
 
بحث في الموقع
سيّد البيّنات رحل
مجلة الأسبوعية
ليلة القدر: سلام للروح وسرٌّ من أسرار الله
المصدر: من تفسير من وحي القرآن
شهر رمضان موعد للانفتاح على الذات
العلامة الشيخ حسن الصفار
 
صحيفة الحياة
صحيفة السفير
شبكة الإعلام العراقية
BBCأخبار
CNN أخبار
الميدل إيست اون لاين
صحيفة الزمان
 
أدخل بريدك الالكتروني
 
بينات والعالم
إعداد بينات العراق
 
| قيمة عاشوراء
محمد محفوظ 
2009-12-27
 
كثيرة هي المعارك والثورات والنهضات، التي اندثر تأثيرها مع الزمن، إلا معركة وثورة ونهضة الإمام الحسين(ع)، حيث أن الزمن يزيد من إشراقها وضيائها.. ففي كل عام يجدد المؤمنون إحياء هذه النهضة، ويستلهم الملايين منها الدروس والعبر..
خلود الثورة الحسينية:
والذي يتابع حرارة إحياء هذه المناسبة العظيمة، يدرك بعمق أن الزمن وتداعياته، لم يمنع الناس من إحياء هذه المناسبة. فكل المعارك تصغر مع الزمن إلا معركة الإمام الحسين، فإن الزمن يزيد من عظمتها، ويجلي حقائقها وأهدافها وغاياتها النبيلة. وكل الثورات تأفل بأفول القائمين بها، إلا ثورة الإمام الحسين، فإن القائمين بها، يزدادون عظمة وإشراقا وتأثيرا.. وكل النهضات تتراجع أهدافها وأولوياتها وغاياتها مع الزمن، إلا نهضة الإمام الحسين(ع)، فإن الزمن يؤكد أهدافها، وتبقى أولويات الإصلاح والحرية والكرامة هي الشاخصة والسائدة..
فثورة الإمام الحسين(ع) وعبر الحقب الزمنية المتطاولة، هي أم الثورات ومنطلق النهضات ونموذج المعارك الخالدة. والإمام الحسين(ع) وأهل بيته وأصحابه وأنصاره، هم قدوة الثائرين، وأسوة المنعتقين من كل الأغلال من أجل العزة والكرامة.. فهم أباة الحرية في زمن انعدامها وغيابها، وهم أئمة الكرامة في كل زمن تمتهن فيه كرامة الإنسان وتسحق مقدساته، وهم المثل الأعلى في التضحية والعطاء في كل زمن يبخل الناس عن العطاء والتضحية.. فثورة الإمام الحسين(ع) هي مستودع القيم والمبادئ الإسلامية، كما أنها اللحظة التاريخية التي أثبتت بشكل لا لبس فيه أن الدم ينتصر على السيف، وأن الظلم مهما تمادى واستفحل فهو إلى زوال..
عاشوراء القضية:
وقيمة يوم عاشوراء، هو أنه اليوم الذي تجلت فيه كل القيم والمبادئ، حيث برزت فيه قداسة الحق وشرف التضحية وخلود العطاء الذي بذله الإمام الحسين(ع) وأهل بيته وأصحابه. وقد لا نجد في تاريخ الإنسانية كلها يوم تجلت فيه كل قيم الخير والعطاء والتضحية من جهة الإمام الحسين(ع) وصحبه، ومن جهة أخرى تجلت العنجهية بأبشع صورها والأنانية بكل مخزونها المقيت من جهة الجيش الأموي بقيادة عمر بن سعد. فهو اليوم ـ القضية ـ الذي تجسدت فيه عناوين المعركة الإنسانية عبر تاريخها المديد، "إنه يوم لم يعرف المسلمون بعد، حقه عليهم، ولا واجبهم تلقاءه. وإن الأقدار لم تدع رؤوس أبناء الرسول تحمل على أسنة رماح قاتلهم، إلا لتكون (مشاعل) على طريق الأبد للمسلمين خاصة، وللبشرية الراشدة كافة، يتعلمون في ضوئها الباهر: أن الحق وحده هو المقدس وأن التضحية وحدها هي الشرف وأن الولاء المطلق للحق، والتضحية العادلة في سبيله: هما وحدهما اللذان يجعلان للإنسان وللحياة قيمة ومعنى" .
وعليه فإن من أراد الهدى، يجده في عاشوراء، ومن يتطلع إلى العزة يجدها مجسدة في كربلاء، ومن يبحث عن التضحية يكشف أجلى صورها في كربلاء الحسين(ع).
واللحظة العاشورائية، ليست وليدة الصدفة، وإنما هي الجواب الرسالي على عمليات التضليل والهيمنة والاستبداد التي تنخر في جسم الأمة آنذاك، وتستهدف تزييف وعيها، وإخراجها من مقتضيات قيمها ورشدها. والإمام الحسين لم يخرج من أجل مكاسب آنية، وإنما خرج لتقويم الاعوجاج ورفع الغطاء عن كل القوى والفعاليات التي تعيث فسادا في جسم الأمة على أكثر من صعيد.
فالإمام الحسين(ع) في كربلاء واجه الزيف والتضليل، وأبان أصالة القيم الإسلامية. وواجه الاستئثار والاستفراد والاستبداد، بعطائه اللامحدود وتضحياته الكبرى والنموذجية. وواجه الخوف والصمت والهروب من تحمل المسؤولية بصرخات العزة ومناقبيات العظماء. فأعاد للأمة جمعاء عزها ورشدها وعنفوانها الأصيل. فكان الإمام الحسين(ع) تجسيدا صريحا لوصية الإمام علي بن أبي طالب(ع) إليه وإلى أخيه الإمام الحسن(ع) حين قال لهما: "أوصيكما بتقوى الله، ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، افعلا الخير، وكونا للظالم خصما، وللمظلوم عونا". فقيمة عاشوراء تتجلى في أنها اللحظة التي تم الانتصار فيها للقيم والمبادئ الإسلامية والإنسانية، والوقوف بصلابة ضد كل الانحرافات والسلوكيات المسيئة للإسلام والأمة في الحكم والسياسة.
و لقد واجه الإمام الحسين(ع) وضعا استثنائيا مترديا في الأمة حيث انقلب كل شيء رأسا على عقب، فإذا بالمنابر قد تحولت من وسائل للإرشاد والهداية، إلى وسائل للسب والشتم واللعن، وإذا بالسيوف التي شهرها الإسلام في وجه الكفر، تنقلب لمواجهة أهل البيت عليهم السلام ، وإذا بالزكاة التي فرضت لتطهير النفوس وتزكيتها تصرف في شراء الضمائر.كما أن الحاكمين الذين أخذت البيعة لهم عن طريق الإكراه، أو عن طريق الترغيب, كانوا يحكمون باسم رسول الله، ومن هنا فإن معركة الإمام الحسين(ع) تحظى بالأهمية القصوى، تماما كما إن لمعركة الإمام علي(ع)، ومعركة النبي (ص)أهميتهما القصوى أيضا.
حاكمية القيم:
ذلك لأن الانتصار النهائي للدين, ليس في أن يصبح باسمه حاكمون على وجه الأرض، وإنما الانتصار الحقيقي، أن تكون الحاكمية الفعلية للقيم، والمبادئ التي ينادي بها الدين، فما دامت المبادئ والقيم تتعرض للتحريف والتزييف. فلا قيمة للشعارات، ولا قيمة للإطارات. والإسلام يجعل المقياس النهائي، هو الإيمان والعمل الصالح، وليس مجرد الشعار.
ومن هنا فإن انتصاره النهائي هو انتصار قيمه ومبادئه ومحتواه، وهذا ما كان مفقودا في الظروف التي ثار فيها الإمام الحسين(ع).
و"الحسين كجسد قتل قبل أكثر من ألف عام، ولكنه كمبدأ، وكقضية، وكرسالة، موجود في كل عصر، وفي كل زمان. وثورته لا شك هي ثورة الإنسان, كما أراده الله، وثورة الإسلام كما أنزله الله".
فحينما يتمسك الإنسان بقيمه، ويحمل مشعل قضيته المقدسة والمشروعة، تتضاءل كل الصعوبات، ويزداد إصرار الإنسان بإرادته على القبض على أهدافه وغاياته النبيلة. ألم يقل على الأكبر لأبيه حينما سمعه { يسترجع}: "يا أبه! أولسنا على الحق؟ قال: بلى، والذي بيده أرواح العباد. قال: إذن لا نبالي، أوقعنا على الموت أو وقع الموت علينا".
هكذا تكون التضحيات، وبهذه النماذج تتحقق الانتصارات في كل زمان ومكان.
وحينما يكون الجهاد من أجل رفع راية الإصلاح في الأمة، وتحقيق عزتها، يكون الموت أحلى من العسل. ألم يقل الإمام الحسين(ع) :"إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين لا برما" .
ويعلمنا التاريخ إن كل الذين تقاعسوا عن نصرة الحق, وكل الذين برأوا الجلاد، وأدانوا الضحية وقعوا في قبضة الجلاد نفسه وصاروا طعمة لسيفه... فالذين تخاذلوا عن نصرة مسلم بن عقيل في الكوفة، وتركوا لابن زياد فرصة القضاء عليه, هؤلاء قتلوا فيما بعد بسيف ابن زياد نفسه.
فالمهم أبدا ودائماً هو الكفاح الإنساني المتواصل، من أجل طرد كل العناصر المسيئة إلى العدالة والحرية والمساواة الإنسانية.
وإن قداسة عاشوراء في ضمير الأمة، هي من قداسة الإمام الحسين(ع) والقيم التي رفعها ودافع عنها، وضحى من أجلها. فـ " قداسة الإمام الحسين(ع) المثل الأعلى في ضمير ووجدان الأمة هي التي أسبغت على عاشوراء كل هذه القداسة وهذه الرمزية في الزمان. فكان (كل يوم عاشوراء)، وهي التي نشرت كربلاء على كل الأرض عنوانا لميدان انتصار دم الحق على سيف الباطل، فكانت ( كل أرض كربلاء ). فبه عليه السلام صارت فاجعة عاشوراء (مصيبة ما أعظمها وأعظم رزيتها في الإسلام وفي جميع السماوات والأرض) ولولاه عليه السلام لكانت واقعة الطف بكل ما غصت به من فجائع أليمة مأساة يذكرها الذاكر فيأسف لها كما يأسف لكثير من وقائع التاريخ الأليمة الأخرى المقيدة بحدود الزمان والمكان .
فقيمة عاشوراء من قيمة سيد الشهداء، وتضحياته هو وأهل بيته وأنصاره الميامين، ومن الآثار الكبرى التي تركتها هذه الثورة في مسيرة الأمة في أبعاد الزمن الثلاثة. لهذا كشفت عاشوراء عن وحدة وجودية لا انفكاك لها بين الإسلام المحمدي الخالص وبين الحسين(ع)، فصارت الدعوة إلى الإسلام بعد عاشوراء هي عين الدعوة إلى الحسين (ع)، وبالعكس، وصارت مواجهة الحسين(ع) ومعاداته بعد عاشوراء هي عين مواجهة هذا الإسلام ومعاداته، وبالعكس، وصار بقاء الإسلام بعد كربلاء ببقاء عاشوراء الحسين(ع).
التاريخ: 08 محرم 1431 هـ الموافق: 25/12/2009 م
 
 
للتعليق على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق