يزداد الحديث مع تشكيل أي حكومة جديدة أو بروز عهد جديد في مسيرة الدولة، عن مشاكل الإدارة العامة، وحالة الفساد أو الترهل التي تعيشها. من هنا يكثر الكلام في كل مرة يثار فيها موضوع التعيينات في الوظائف الإدارية الشاغرة، عن الوظيفة العامة وضرورة إعادة النظر في اختيار وتعيين الموظفين وتفعيل دورهم، وكذلك البحث في "ترشيق" القطاع العام بما يجعله متماشيا مع التطور الذي تشهده وظائف القطاع الخاص. من هنا أهمية الوقوف عند مصطلحي الوظيفة العامة والوظيفة الخاصة كشكلين من إشكال ممارسة العمل الوظيفي في المجتمعات الراهنة.
تباين في الأهداف:
ان الوظيفة العامة والوظيفة الخاصة هما مصطلحان لنوعين من الوظائف التي قد يزاولها الإنسان العامل في حياته المهنية أو الوظيفية.
ومن غير الخفي أن الوظيفة العامة هي وظيفة تخضع لقوانين الدولة العامة، يمارسها الموظف في إحدى الإدارات أو الوزارات الحكومية، بينما تتعلق الوظيفة الخاصة بالقطاع الخاص، الذي لا يعُتبر جزءا من القطاعات أو المؤسسات العامة للدولة. وهذا الأمر قد يتطلب توضيحه وقفة عند أهم معايير التمييز بين هذين النوعين من الوظائف.
هناك بعض الخصائص التي تميز الوظيفة العامة عن الوظائف الخاصة، نذكر منها:
تعتبر الوظيفة العامة الأداة التي بواسطتها تتولى الإدارة العامة تنفيذ السياسة العامة المرسومة من قبل الدولة وفي نطاق المصلحة العامة المنشودة.
أما الوظيفة الخاصة فتتولى الإدارة الخاصة بواسطتها تنفيذ السياسة الخاصة التي يرأسها القيمون على المؤسسة الخاصة، والتي غالباً ما يكون هدفها تأمين مصلحة المؤسسة الخاصة، دون النظر إلى المصلحة العامة.
وهكذا نرى أن الوظيفة العامة تصبو إلى تقديم الخدمات العامة إلى الجمهور، وتأمين سير المرافق العامة، وتحقيق المصلحة العامة.
أما الوظيفة الخاصة فهدفها الأول تأمين الربح المادي، وتحقيق المصالح الخاصة للمؤسسة التي تعمل في نطاقها.
لكن هذا التباين في الهدف لا يعني أن الوظيفة العامة تعمل في وادٍ والوظيفة الخاصة تعمل في واد آخر مستقل استقلالاً تاما، فكلتاهما على السواء تساهمان في خدمة المجتمع والمواطنين.
إلا أن التفريق بين هدفيهما يبقى قائماً وصحيحاً ما دام الهدف المباشر للوظيفة العامة هو تحقيق الإصلاح العام، وللوظيفة الخاصة هو الصالح الخاص.
كما لا بد من الإشارة إلى أن أساليب التعيين لتولي الوظائف العامة تحكمه اعتبارات وشروط قد لا تنطبق على ذات المعايير والشروط التي تخضع لها الوظيفة الخاصة. فالموظف العام يخضع لقانون الموظفين الذي يرعى الأوضاع الوظيفية لموظفي القطاع العام في الدولة، مع ما يحمله من واجبات ومحظورات وظيفية .
أما في الوظيفة الخاصة فالاعتبار الأول هو للأنظمة الداخلية والأوضاع التنظيمية التي تحكم كل مؤسسة على حدة وبشكل مستقل عن المؤسسات أو الشركات الخاصة الأخرى.
أيضا لا بد من الإشارة إلى أن مراقبة أداء الموظف العام تمارسه أجهزة التفتيش الخاضعة للدولة (التفتيش المالي والإداري ...الخ) أما الموظف في القطاع الخاص فمحكوم في أدائه بالقانون الخاص الذي يحكم عمل المؤسسة ونظامها الوظيفي تجاه العاملين أو الموظفين فيها.
المؤسسات العامة المستقلة:
ومما يجدر ذكره أن هذا التفريق الحاد الحاصل بين هدف الوظيفتين العامة والخاصة بدأ يتقلص نسبيا في أيامنا الحاضرة ، حيث بادرت الدول إلى إحداث مؤسسات عامة ذات طابع استثماري أو صناعي ، ومنحتها الشخصية المعنوية (الإعتبارية) والإستقلالين المالي والإداري، لتمكينها من تسيير مرفق عام أو إدارة مشروع معين (مصالح المياه ـ مؤسسات الكهرباء ـ مصالح النقل ..الخ).
وهكذا بتنا نرى أساليب جديدة فرضتها الحاجات المتعاظمة للمجتمعات، من أجل تأمين الخدمات العامة للمواطنين وتحقيق المصلحة العامة من جهة، وتأمين الربح والكسب المادي من جهة ثانية.
وعلى الرغم من ذلك يمكننا الجزم بأن الهدف الأساسي والمباشر للوظيفة العامة هو تحقيق المصلحة العامة بالدرجة الأولى. وينتج عن هذه الصفة التي تمتاز بها الوظيفة العامة التصاقها بمصالح الجمهور والمواطنين، واتصال الموظف العام بحياة مواطنيه وتحسّسه بمشاكلهم.
أما تعظيم الربحية وتحقيق أقصى المصالح والمنافع الخاصة للمؤسسة أو المنشأة التي يعمل فيها الموظف، فتبقى الهدف الأسمى للموظف في القطاع الخاص.
وهذا لا يعني في مطلق الأحوال عدم وجود أهداف نبيلة لدى مؤسسات القطاع الخاص باستثناء تحقيق الربح. بل على العكس من ذلك، يمكن أن نجد العديد من المؤسسات أو الهيئات الموجودة في القطاع الخاص، التي تمارس دورا خدماتيا وإنسانيا واجتماعيا يضاهي أو ينافس تلك التي ُتمارس في الوظائف العامة، وتقدم خدمات كبيرة إلى المجتمع والمواطنين، بحيث تسد كثيرا من الثغرات الموجودة وتعالج كثيرا من الأوضاع المستعصية.