أوهام العرب ليست قليلة إن لم نقل كثيرة، وربما كانت كثرة هذه الأوهام هي السبب في تخلّفهم والمراوحة في المكان والزمان الذي نحن فيه، وكأنه لم يمر زمن طويل. ومن أوهام العرب الإيمان برجوع ما كان، ولذلك يصرُّن على ما يعتقدون ولا يفتشون عن خيارات جديدة أو بدائل يمكن معها تجاوز المحن والمشكلات التي يعيشها محيطنا العربي.
ولعل في جملة هذه الأوهام العودة إلى ما كان قبل سقوط نظام صدام حسين، سواء كان من محبيه أو مبغضيه، وذلك لدواعٍ عديدة، ولذلك ينتابهم شعور عميق بالنجاح في عرقلة ما حدث في العراق، والرجوع به إلى ما كان، سواء كان ذلك على مستوى تغيّر نخب السلطة أو كان في المشاركة وتقاسم الحياة في العراق، مما جعل بعض الأنظمة العربية يغمض عينيه عن الجديد الذي حصل، سواء كان ذلك عن حقٍ أو باطل، ويدفعه ذلك إلى تصديق أوهامه بشأن هذه التغيرات، وأنه من الممكن الرجوع إلى سابق العهد الذي يألفه، لأن هذا العهد كان أكثر انسجاماً مع الرؤية العربية. أو ربما لأنه لا يفتح الباب أمام تغيّرات مضرة بالواقع العربي المألوف.
ومن أكثر صور الأوهام وضوحاً ما دعا مجلس بلدية أردنية إلى تبني قرار بتسمية حي أو شارع باسم الشهيد صدام حسين (كذا) الذي قضى بالدفاع عن شرف الأمة العربية.
من المؤكد لن نخوض في مصداقية دفاعه عن هذا الشرف المزعوم، وقد رآه العالم كله ومنهم الأردنيون المعجبون جداً بصدام حسين، وهو يخرج من حفرة بأقبح صورة، وقد بخل على نفسه برصاصةٍ تخلِّده، وهو الذي وزّع رصاصه على الجميع، ولكننا نتساءل عن الدوافع التي تدفع بالمعجبين هؤلاء إلى تبنيّ قرار من هذا القبيل، والتي ربما من جملتها الفوائد التي كانت تصلهم من صدام حسين، والنعم التي يفيض بها عليهم في وقتٍ جاع فيه أشراف العراق ومرضوا وتشرّدوا. ولكن مع ذلك لا نظن أن هذا هو الدافع الرئيس، لأن الدافع الرئيس والأهم فيما نعتقد هو أوهامهم التي دفعتهم إلى ذلك وهي تصل إلى درجة المرض المزمن لدى العرب، ذلك، المرض الذي منعهم من تفحّص حقيقة ما يتوهمون فضلاً عن أشياء أخرى...