إبّان عهد النظام السابق لم يكن بوسع الإعلام الحديث عن أمرٍ سوى إنجازات قائد الضرورة، سواء كان الإعلام داخلياً أم خارجياً، فضلاً عن قدرة اختراق هذا الإعلام الخارجي للسور الذي حاصر العراق ووضع شعبه في السجن الكبير.
وعلاوة على ذلك فالجميع يعرف (مع أن هناك من لا يعرف) قدرة النظام العراقي على شراء ذمم عدد كبير من رجال الإعلام في العراق، سواء كان ذلك الإعلام مما ينتمي إلى عالم الصحف والمجلات، أم ينتمي إلى عالم الفضائيات التي اجتاحت في التسعينات وبعدها حياة الناس وفي أوسع نطاق. ولعل كثيرين منّا يذكر ما يواجه به (فيصل القاسم) العراقيين في برنامجه (الاتجاه المعاكس) في الموضوعات العراقية تحديداً ومحاولة قمعهم ولجمهم إذا شعر أنهم بصدد إثارة موضوعٍ ما يمسّ النظام وخصوصاً قائد الضرورة..
وهنا نذكّر أن وثائق استخبارات النظام العراقي كشفت عن دور عدد كبير من هؤلاء الإعلاميين ومنهم (فيصل القاسم) الذي اشتريت ذمته من قبل السفارة العراقية بصندوق (ويسكي)، وهذا مما نشرته صحيفة (الشرق الأوسط) ورفض القاسم التعليق عليه!
وعقيب سقوط النظام فتح العراق على مصراعيه، ولم تبق وسيلة إعلامية إلاّ ولها مراسل في العراق، إلى درجة لم تجد بعض الوسائل الإعلامية مراسلين محترفين، فوظفت >أُميين< لهذا الغرض، وهي بذلك تؤكد أنها ليست بصدد الحقيقة بقدر ما تريد اختراق العراق، وهي بذلك تحمل أجندة الأضرار به، من خلال التهريج وبث الإشاعة وتحطيم المعنويات.. فشاعت في الفضائيات برامج معروفة (المشهد العراقي) و (النشرة العراقية) و (من العراق).
أن هذه البرامج تهتم أحياناً بكل ما هو عراقي ولو كان على مستوى خصومة بين عراقي وآخر في الشارع، أو بخصوص مرضٍ عراقي، أو فقر عراقيين وعشرات من مشاكل الحياة، وكأن البلاد العربية تخلو من هذه المشاكل، إذ يعيش المواطنون العرب في أفضل حال من الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان فضلاً عن الخدمات الكبيرة التي ينعم بها المواطن العربي... وكأنه ليس هناك فقر أو مرض ليس في بعض الدول العربية الفقيرة، بل في الدول الخليجية التي تجثم على آبار النفط وخزائن المال، كل ذلك لغرض تحطيم الروح المعنوية للعراقيين من جهة، وتعميم رسالة للمواطن العربي مفادها أن تمني زوال أنظمتهم السياسية سيؤول إلى ما آل إليه العراق. وكفى بها رسالة.