نكتشف أن كثيراً منها كانت إرثاً ولم تكن فعلاً..
نقدم في ما يلي نص محاضرة قيمة لسماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، ننشرها في جزأين، يجيب سماحته خلالها عن سؤال: كيف يواجه الشباب مسألة الأصالة ومسألة التغريب؟ هل يواجهها بطريقة تلتهب حماساً ليهتف: نحن مع الأصالة ونحن ضد التغريب؟ أو أن عليه أن يقف منهما وقفة مدروسة تحاول أن تدرس العناصر الحيّة التي تغني إنسانيته وحياته أو تفقرها؟
في ما يلي القسم الأول من المحاضرة....
ضباب المفاهيم:
عندما نتحدث عن الشباب، فإننا نتحدث عن الحياة المتمرّدة في حركة الإرادة في مواجهة كل القضايا التي ينفتح عليها الواقع في عمق الإنسان، وفي الشباب يعيش الإنسان حيوية الحياة فتكتسب الحياة شبابها من الإرادة المنفتحة على أكثر من عطاء والمنفتحة على أكثر من أفق، ولذلك فنحن عندما نتحدث عن الشباب فنحن نتحدث عن سر الحياة في معنى الوجود، سرّها فيما تختزنه من طاقات، وسرّها فيما تنفتح عليه من آفاق، وسرّها فيما تُنتجه من كل ما يمكن أن يُعطي الجديد للحياة وللإنسان.
و"الأصالة والتغريب" كلمتان ربما استهلكناهما كثيراً في حركتنا الفكرية والاجتماعية والأخلاقية وربما اقتربنا بعض الشيء فيهما في حياتنا السياسية...
ربما يتصور الكثيرون من الناس كلمة الأصالة فيربطونها بالزمن، أن تكون لك أصالتك أن تكون لك جذورك في الزمن، أن يكون الماضي جذرك وعمقك وبذلك تكون الأصالة في بعض ما يفهمها الناس معنىً في علاقتنا بالماضي، باعتبار أنّ للزمن جذوره كما للمكان جذوره وجذر الزمن هو كل من استهلكته الحياة.
ومن هنا يدور الجدل لدى الذين يثيرون مسألة الأصالة، بين من يحتضنها وبين من يطردها من حسابه، فيُخيل لهم أنّ الأصالة تعني أن ندخل إلى الماضي لنغيب فيه لنعتبر أنّ كل شيء في الماضي مؤصّل في الشخصية ومعمّق في الوجود، فعلينا أن نأخذ الماضي كلّه وأن نقدّسه، حتى أننا نعتبر الأخطاء مقدّسات. وهذا ما جعل بعض الناس يتحدّث عن الأصالة كما لو كانت تركيزاً على التّخلف باعتبار أن الماضي يحتضن الكثير من التّخلف في الفكر وفي حركة الحياة.
وهكذا نجد بعض الناس يتحدثون عن كلمة التغريب في الجغرافيا وفي المكان، لتكون قضية التغريب قضية فكر يتحرك في الغرب وقضايا يعالجها الغرب، تماماً كما لو كان هناك فاصل في الخطوط الفكرية بين الشرق كمكان وبين الغرب كمكان آخر، لتكون المسألة هي مسألة وطنية الشرق أو عصبيته، في مقابل وطنية الغرب أو عصبيته، وكان هؤلاء يريدون أن يستعيدوا الكلمة الخالدة التي ليس فيها عمق خلود في الفكر "الغرب شيء والشرق شيء ولن يلتقيا" على أساس أن تستغرق المسألة في المكان لتكون لنا عقدة ضد الغرب ولتنشأ كردّ فعل أو كفعل تاريخي عقدة في الغرب ضد الشرق.
ومن خلال ذلك تضيع الأصالة في ضباب المفاهيم المتنوعة كما يضيع التغريب في مثل هذا الضباب.
إننا عندما نريد أن نتحدث عن الأصالة فإننا لن نتحدث عن ماض يحتضنه الزمن فيما يسمى تاريخاً، فقد لا يحمل الماضي في بعض مواقعه وخطوطه وتطلعاته شيئاً يتأصّل الإنسان فيه، بل قد يكون شيئاً في السطح وفي الشكل. وقد نجد في الحاضر كثيراً من عناصر الأصالة من خلال أن الإنسان يجد فيها نفسه ككائن حي يتجذّر في مسؤوليته في الوجود، وهكذا عندما ننطلق في كلمة الغرب أوالتغريب كموقع للمكان أو إشارة إلى الجغرافيا فإننا قد نجد في الغرب قيماً إنسانية لا نجدها في الشرق وقد نجد في الشرق قيماً سلبية منحطّة لا إنسانية لا نجدها في الغرب، لسبب بسيط جداً وهو أن الفكر لا وطن له، الفكر يستوطن مكاناً لأنه انطلق في وعي إنسان مفكر عاش في هذا المكان وجاءت الظروف الموضوعية لتفرضه واقعاً في حركة الفكر في هذا البلد أو ذاك. ليس هناك وطن للفكر وليست هناك قومية للفكر، الفكر أعلى من كل التاريخ وأعلى من كل الجغرافيا، الجغرافيا تكبر بالفكر والتاريخ يكبر به، وبه يتقدّس المكان ويتقدّس الزمان، والفكر لا يتقدس بالزمان ولا بالمكان.
المبادئ ابنة الحياة:
ولهذا كنّا نأخذ على الذين يتحدثون في الجدل الفكري الذي يتحرك في الخطوط السياسية عندما يتحدثون عن المبادئ المستوردة ليدخلوا المبادئ في عملية الاستيراد والتصدير، كما يتحدث بعض الناس عن تصدير الثورة أو عن استيرادها. إن هذا كلام ليس فكرياً لأن المبادئ هي ابنة الحياة عندما يكون لها عمق الحقيقة، وليست ابنة مكان معين، فهي لا تستورد ولا تصدّر، بل الإنسان يصنعها ويبدعها أو يستوحيها ويحركها ثم ينطلق لينفعل بها الواقع في كل المظاهر الإنسانية، فلا معنى أنّ تكون هناك مبادئ مستوردة إذا كانت الحقيقة، فالمسألة أنها فرضت نفسها على الواقع كلّه وعلى الإنسان كلّه وإذا لم تكن الحقيقة فإنّها لن تكون شيئاً في الواقع وفي الحياة.
لذلك علينا أن نبتعد عن إعطاء الفكر كل هذه الأجواء التي تعلبه وتجعله قومية وأرضاً وزماناً، لذلك نحن لا نفهم أن يكون هناك فكر عربي أو فكر فارسي، العروبة تعطي الإنسان خصائصها فيفكر، وعندما ينطلق العربي ليفكر من خلال خصائصه الإنسانية فإنّه يبدع فكراً إنسانياً انطلق من عربي، لا فكراً عربياً. وهكذا عندما ينطلق فكر من خلال أيّ إنسان آخر فهو فكر إنساني، الإنسان يبدع الفكر، قد تعطيك العروبة بعض الخصائص التي تشجع حركة الفكر ولكنها لن تعطيك الفكر ليكون لدينا فكر قومي، عروبة كانت أو أي شيء آخر. الفكر إنساني وليس قومياً أو وطنياً أو ما إلى ذلك.
مفهوم الأصالة:
من خلال هذا ندخل إلى عنوان الحديث، والأصالة فيما نفهمها تمثّل العناصر الفكرية أو الروحية أو الأخلاقية أو ما أشبه ذلك، التي تمثل الجذور الأساسية في إنسانية الإنسان في انتمائه الذي ينطلق من قناعاته الفكرية...فأنت تكون إنساناً ذا أصالة فيما تحمله من فكر أو فيما تنتهجه من منهج، إذا كان هذا الفكر يمثّل عمقاً في إنسانيتك في كل مواقعها وفي كل امتداداتها وفي كل أعماقها، إن صحّ التعبير، أن تكون الأصيل وأن يكون فكرك منطلقاً من عمق، من عقل، من دراسة، وأن يكون فكرك منطلقاً من حاجة الحياة وحاجة الإنسان في الحياة، أنت أصيل بقدر ما يُمثّل فكرك عمق عقلك ووجدانك، والفكر أصيل في الحياة بقدر ما يمثّل حاجة الحياة في كل ضروراتها وفي كل أجوائها.
قضية التغريب:
وقضية التغريب هي قضية خط فكري تتحرك فيه الحضارة التي عاشت في الغرب وانطلقت منه، وبذلك يكون التغريب خطاً في الفكر والنهج، وليكون حركة في الحضارة، وتكون الأصالة عمقاً في الإنسان وفي الحياة، لتكون الجذر الذي يقف الإنسان والحياة عليه.
في هذا الجو كيف يواجه الشباب مسألة الأصالة ومسألة التغريب؟ هل يواجهها بطريقة تلتهب حماساً لنهتف: نحن مع الأصالة ونحن ضد التغريب؟ أو أن عليه أن يقف منهما وقفة مدروسة تحاول أن تدرس العناصر الحيّة هنا والعناصر الميّتة هناك والعناصر التي تغني إنسانية الإنسان وحياته هنا أو أنها تفقرهما؟ لأن القضية ليست انفعالاً ننفعل به وليست انتماء طائراً ننتمي إليه، ولكنها حياتنا...
فكرنا هو حياتنا لأن الحياة تتحرك من خلال الوجدان الذي نحمله، هي صورة لكل مفاهيمنا التي تفرض نفسها على الحياة سلباً أو إيجاباً، تقدماً أو تخلفاً. ومن هنا فإن قضية الانتماء ليست حالة طارئة في الإنسان بل هي حالة ثابتة في وجوده، لأنك بما تنتمي تكون وبما تنتمي توجد، توجد فرداً وتعمل على أن تضغط فيما تملكه فرديتك على المجتمع بحسب الإمكانات التي تملكها في الضغط.
وعلى هذا الأساس فالانتماء مسؤوليتنا الإنسانية ومسؤولية الحياة في داخلنا ومسؤولية كل الواقع الذي يحيط بنا ونتحرّك فيه.
لندرس إنسانيتنا:
لذلك لا بدّ لنا من أن ننطلق لنفكر أولاً، لا الفكر الذي ينطلق ليدرس الإنسان كما هو في عناصره الأساسية وكما ينبغي أن يكون في خطواته العملية أو الفكرية في الحياة... أن ندرس إنسانيتنا يعني أن نفكر... والفكر يساوي العقلانية ويساوي الموضوعية ويساوي العقل البارد الذي لا يقف مستنفراً ليتحمّس ولكن يقف مستنكراً ليلتقط ملاحظة هنا وملاحظة هناك وفكرة هنا وفكرة هناك. أن نقف لنُحرّك العقل لندرس كل انتماءاتنا لنعلقها ولنؤصّلها في وجداننا لأننا قد نكتشف أن كثيراً من انتماءاتنا كانت إرثاً ولم تكن فعلاً. {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على أثراهم مقتدون}(الزخرف:23).
والإرث ليس من الضروري أن يكون سلبياً دائماً، قد تكون فيه إيجابيات لكن لا بدّ لنا من أن ندرس سلبياته وإيجابياته لأنّ إرثاً ما تركه لنا آباؤنا قد لا يكون له دور في حساب حياتنا، لأنه إرث زمن ماضٍ انطلق من تجربة محدودة وتحرّك في أفق محدود، لذلك ليس من الضروري أن نقدّس التراث كيفما كان بل علينا أن ندرس التراث لأن التراث كان فكر أناس جربوا وقد تكون تجربتهم خاضعة للظروف الموضوعية التي كان يمثّلها زمنهم، ولذلك هم كسبوا فكراً وعلينا أن نكسب فكراً آخر، ليس هذا حديثي فحسب، لكنه حديث القرآن الكريم: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم}(البقرة:134).يعني لها ما كسبت من فكر خاطئ أو مُصيب، ولها ما كسبت من عمل صالح أو غير صالح، ولها ما كسبت من هزائم أو من انتصارات، ولها من كسبت مما يبني الحياة أو مما يهدمها، {ولكم ما كسبتم}(البقرة:134) فلكل جيل كسبُه، وليس من الضروري أن يكون كسب الأجيال الأخرى هو كسبنا فيما تعطيه المسألة من إرث الأجيال، علينا أن نكسب، وقد نكسب ما كسبوه ولكن لأننا اقتنعنا بذلك ولأننا أردنا ذلك، لا لأن الآخرين تركوا لنا ذلك.
إن القضية في عالم الفكر وفي عالم الانتماء ليست هي أن يكون لك شيء جديد دائماً، ربما يكون لك فكر الآخرين لكن على أساس أن يتحول ليكون فكرك، أن تقتنع به أنت، لا لأن الآخرين اقتنعوا به، وهكذا تكون المسألة في عملية التفاعل هي لنفكر معاً ولا تكون المسألة فكروا لنا، و "فكروا لنا" يلغي وجودنا، "لنفكر معاً" يمنحنا عُمق هذا الوجود المتفاعل مع وجود آخر.
لذلك جيل الشباب لا بدّ أن يؤصل انتماءه من حيث يؤصل فكره ليربطه بعقله ووجدانه وبل ثوابت الحقيقة في الحياة، ليكون الإنسان الأصيل لأنه اختار فكره ولم يتبع غيره حتى لو كان فكره موافقاً لفكر غيره، ولتكون قضايا الحياة هي قضايا هذا الفكر وهذا الانتماء ليتأصل الفكر في عمق الحياة كما هو في عمق الإنسان، بهذا تكون لنا الأصالة حيث تكون لنا الإرادة وحيث يكون لنا الاختيار وعند ذلك تكون الأصالة في مواجهة التبعية، أن تتبع الآخرين أن تكون مُجرّد حركة تابعة لحركتهم تتمثّلهم ولكنك لا تعيشهم. وهذا هو الذي يركّز عليه كل المصلحين، أن تكون لك أصالتك هو الوجود الظل وليس الوجود، هو الصدى، هو الشبح لا الحقيقة. وهذا لا يلتقي في أي جانب وطني أو قومي أو أي شيء آخر مما استحدثه الناس من العناوين في خصوصيات الإنسان، هذا أمر يتّصل بإنسانيتك... الشباب الذي يبدأ الحياة من حيث انتهى الآخرون لا بدّ أن يؤصل وجوده ويؤصل فكره وانتماءه وحركته في الحياة.
وبذلك يحارب إن أراد أن يدخل ساحة على كل الذين يريدون أن يفرضوا عليه أن يكون تابعاً لهم دون إرادة واختيار... عند ذلك تكون المسألة معركة الحرية في أن نريد أو لا نريد، لأنها تعني أن نكون أو لا نكون.
التاريخ: 28 جمادى الثاني 1431 هـ الموافق: 11/06/2010 م