عندما نظّمت القناة الرّابعة في راديو بي بي سي استفتاءً طلبت فيه من مستمعيها اختيار أعظم فيلسوفٍ في العالم، جاءت نتيجة الاستفتاء لصالح الفيلسوف الألماني كارل ماركس ـ منظّر الشيوعيّة بكتابه "الرّأسمال" الشّهير ـ بنسبة 27.93 %، تلاه في المرتبة الثّانية دافيد هيوم، الفيلسوف البريطاني الشّهير، وجاء في المرتبة الرّابعة الفيلسوف الألماني نيتشه، بينما حلّ أرسطو طاليس ـ "المعلّم الأكبر"، حسب تعبير فلاسفة العرب ـ في المرتبة التّاسعة. وكان المعدّون يهدفون إلى إبراز الفلاسفة الغربيّين، دون الشّرقيّين، لأنّ المركزيّة الغربيّة تعتبر نفسها مفكّرةً ومبدعةً للأفكار ومنتجةً لها، فيما الشّرق متلقٍّ وغبيّ، كما قال ذات يوم منتسكيو، غير أنّ الذي يدقّق ويقرأ ما جاء في التّعليقات، كلّ التعليقات، يجد أنّ الكثير من المعلّقين صوّتوا لمفكّرَيْن من العالم العربي والإسلاميّ، هما : محمّد باقر الصّدر، ومحمد حسين فضل الله. ويقول أحدهم، ويدعى محمّد السّلكي من البحرين: "في رأيي، إذا استثنينا الأنبياء والرّسل، هو الإمام عليّ بن أبي طالب(ع) دون منازع، أمّا في القرن المنصرم، فهو السيّد محمّد باقر الصّدر، أمّا الآن، فهو السيّد محمّد حسين فضل الله".
ومما قلته عندما حاورت سماحة المفكِّر الإسلاميّ، السيّد محمّد حسين فضل الله، في فضائيّة عربيّة، ما يلي : "من الصّعوبة أن تجد تعريفاً للمرجع والمفكّر الإسلاميّ، السيّد محمّد حسين فضل الله، فهو ليس طرف معادلةٍ ولا طرفي معادلة، بل هو المعادلة نفسها، ومن الصّعوبة أن تغوص في محيطه، فهو ذو باعٍ طويل في المعارف الإسلاميّة، وقارئ دقيق للماضي والرّاهن، ومستكشف بارع لمنحنيات السياسة وتفرّعاتها؛ جسده في العاصمة اللّبنانية بيروت، وقلبه وعقله مع كلّ القضايا السّاخنة على خطّ طنجة جاكرتا، ويترافق هذا الاهتمام مع صياغته لمشروعٍ إسلاميّ نهضويّ قوامه الموروث الإسلاميّ ورؤى العصر الّتي لا تعارض الشّريعة الإسلاميّة والوحدة الإسلاميّة. نعم، الوحدة الإسلاميّة التي حمل رايتها وأفتى بوجوب توحّد المسلمين لمواجهة الانكسار العارم، وجعل وحدة المسلمين شرطاً أساساًً للنّهضة الإسلاميّة. وقد كان سماحته على الدّوام ضمانةً لإطفاء أيّ صراعٍ مذهبيّ يتسلّل من نافذته المتربّصون بهذه الأمّة. بعد ظهر يوم الجمعة 8 آذار 1985م، حاولت المخابرات الأمريكيَّة استهدافه، فقد كان يشكِّل الهدف الثّمين للمخابرات الأمريكيَّة والإسرائيليَّة... حصيلة عمليّة تفجير بئر العبد كانت ثمانين شهيداً، من جملتهم أربعون امرأةً، قال عندها سماحته: إنّهم يخوّفوننا بالموت، والموت لنا عادة، وكرامتنا من الله الشّهادة".
وعندما أمعنت النّظر في هذه المقدّمة، وجدتها دون مستوى سماحة المرجع الإسلاميّ والمفكّر المجدّد السيّد محمّد حسين فضل الله، فقد ارتقى بنتاجه المعرفي والنّهضويّ والفكريّ إلى مصاف من رسموا مسارات النّهضة لهذه الأمّة الباحثة عن أسباب النّهوض الحضاريّ وأسباب التّراجع في كلّ المجالات. وإضافةً إلى ذلك، فمحمّد حسين فضل الله ينتمي إلى نخبة الموسوعيّين المجدّدين الّذين قرّروا أن يبنوا عقلاً متكاملاً يلامس ليس فقط مناطق الفراغ في الفكر الإسلاميّ، بل كلّ ما يبتلى به الإنسان في المجال النّفسيّ والجسديّ والعلميّ والاقتصاديّ والثقافيّ والدّيبلوماسيّ، ولذلك كانت رؤاه الاجتهاديّة من وحي العصر ومن دائرة الواقع والعرف، وقدّم للمسلم المقيم في بلاد الإسلام، والمهاجر إلى بلاد الاغتراب، فقهاً ميسّراً واضحاً ومفهوماً، وحطّم قوالب اللّغة الفقهيّة المحنّطة، واستعاض عنها بلغةٍ مفهومةٍ وراقيةٍ في آنٍ واحد. وإضافةً إلى ذلك، فإنّه يرى اعوجاجاً في مبنى من ينطلق من كتبٍ عالجت المشاكل الاجتماعيّة في حقبة المماليك والتّتار، ليستخرج منها الدّواء الشّافي لمجتمعاتنا، وهو لا يقصد البتّة مصادر التّشريع أو النّصوص المقدّسة، بل المقصود هو النّتاج الفكريّ الإسلاميّ الّذي أنتجته العقول الإسلاميّة من صدر الإسلام وإلى يومنا هذا.
وليس المطلوب على الإطلاق التخلّي عن التّراث، بل المطلوب إعمال العقل ومحاولة الإبداع في كلّ المجالات، ولعلّ تقصيرنا في مجال الإبداع وصياغة خطاب إسلاميّ عصريّ، أدّى إلى إرتماء النّخب العربيّة والإسلاميّة في أحضان مدارس فكريّة لا تمتّ بصلةٍ إلى واقعنا العربيّ والإسلاميّ، وحتى داخل الحوزات العلميّة في النّجف الأشرف، هناك من اعتنق الماركسيّة وغيرها، لأنهم وجدوا في الخطاب الغربي سهولةً في الفهم، وعصريّةً في الطرح، واستيعاباً لتفاصيل الحياة، وكذلك بالنّسبة إلى الرؤى والأفكار الأخرى. وحجم الآفات التي تعصف بعالمنا الإسلاميّ، من قبيل الأميّة والفقر والجهل والمديونيّة، وأزمة التغذية، وكثرة الوفيّات، وسوء توزيع الموارد الأوليّة، والبطالة، وقتل الوقت، والبيروقراطيّة، وما إلى ذلك، تتطلّب فكراً يستوعب كلّ تفاصيل هذه الأدواء، ويقدّم دواءً شافياً واقعيّاً لا طوباويّاً .
ولذلك وقف ضدّ العقول المحنّطة في الحوزات العلميّة، والّتي استهدفت العقول الذّهبيّة المجدّدة، وأبرز مثالٍ على ذلك، المفكّر العملاق محمّد باقر الصّدر، والّذي كان البعض يتّهمه بالعمالة لأمريكا والخروج عن المألوف الحوزويّ، وكأنَّ قدر المبدع والمجدِّد أن يكفَّر ويزندَق، وحتّى حقّه في الخمس يحرّض النّاس على عدم منحه له، وحتَّى المرجع الإسلاميّ محمّد حسين فضل الله لم يسلم من مثل هذه الاتهامات والإشاعات، وهم لا يفرّقون بين كارل ماركس ومدينة صفاقس ـ الواقعة في تونس طبعاً ـ وكان المفكّر الإسلاميّ فضل الله صابراً ومحتسباً، وكان لسان حاله، ما قاله الشّاعر العربيّ:
قد قيل إنّ الإله ذو ولدٍ وقيل إنّ الرّسول قد كهنا
ما نجا الله ولا الرّسول من لسان الورى فكيف أنا
هذا على صعيد إنتاج الحكم الشّرعيّ وفق المباني الشّرعيّة والقواعد الاجتهاديّة، أمّا على صعيد الهمّ الإسلاميّ العام، فالمفكّر الإسلامي السيّد محمّد حسين فضل الله، كان مع كلّ قضايا المسلمين في خطّ طنجة ـ جاكرتا أو الدّاخل الإسلاميّ، وكان مع قضايا المسلم والإنسان في الخارج الإسلاميّ، أي في القارّات التي لا تحسب جغرافيَّتها على الإسلام، وفيها وجودٌ إسلاميٌّ مصداقه الجاليات العربيّة والإسلاميّة المهاجرة. والشّريعة الإسلاميّة عند المفكّر الإسلاميّ محمّد حسين فضل الله، هي مجموعةٌ من الأحكام التي تنظّم حياة الإنسان بجميع مجالاتها الفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة والعباديّة والسّلوكيّة. لقد كان المفكّر محمّد حسين فضل الله مطّلعاً إلى أبعد الحدود على تفاصيل الفقه وأصوله ومدارسه، وخصوصاً أنّه ختم مراحل المقدّمات والسّطوح و[بحوث] الخارج الحوزويّة ـ وهي مراحل الدِّراسة في الحوزة العلميَّة ـ في النّجف الأشرف، عندما كان النَّجف الأشرف الّذي يحتضن مقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) في أوج تألّقه، حيث كان يضمّ مراجع لا يشقّ لهم غبار في مجال الاستنباط والجرح والتّعديل وعلم الرّجال وسند الحديث وعلوم التّفسير، ووهب حياته للعلم والثّقافة، والعلم عندما تعطيه كلّك يعطيك بعضه، وعاصر أساطين العلماء والفقهاء، ومنهم الشّهيد محمّد باقر الصّدر، الّذي كان يتميّز بما يتميّز به السيّد محمّد حسين فضل الله، ومن ذلك، سعة الاطّلاع والانفتاح على المعارف الإنسانيَّة الأخرى. وكثيراً ما تذكِّر نظريّات السيّد فضل الله بنظريّات الشّهيد محمّد باقر الصّدر في كتبه "حلقات الأصول" أو "اقتصادنا" أو "فلسفتنا" أو "البنك اللاربوي في الإسلام" أو "بحث حول الولاية"، والتي زاد عليها المفكّر الإسلاميّ فضل الله الكثير، وسدّ العديد من مناطق الفراغ في الفكر الإسلاميّ. والمفكّر الإسلاميّ محمّد حسين فضل الله، يتكلّم عن المفكّر الإسلاميّ محمّد باقر الصّدر بكثيرٍ من الإكبار، ويتحدّث عن علاقته بالصّدر فيقول:
"عندما جئت إلى لبنان، لم تكن الحرب الأهليّة قد بدأت، فكانت أوّل سنة سافرت فيها إلى لبنان، في عام 1952، وقد شاركت في تأبين المرحوم السيّد محسن الأمين، وشاركت بقصيدةٍ في أربعينه، وكانت هذه القصيدة متنوّعة الأبعاد، تحدّثت فيها عن الاستعمار ونتائجه، وعن الوحدة الإسلاميّة، وعن مشاكل الشّباب، وكنت في سنّ السّادسة عشرة في ذلك الوقت. والتقيت في تلك الفترة بكثيرٍ من الأدباء والمفكّرين، وتحدَّثت معهم، وكنت أعقد بعض النّدوات الحواريّة مع الشّباب المتعلّم في المناطق، ثم عدت إلى النّجف وأكملت دراستي الحوزويّة على مستوى الخارج، حيث تتلمذت في هذه المرحلة على أستاذنا السيّد أبو القاسم الخوئي، والشّيخ حسين الحلّي، والسيّد محسن الحكيم.
وهكذا التقيت بالشّهيد السيّد محمّد باقر الصّدر، الذي كانت علاقتي بأخيه السيّد إسماعيل الصّدر قويّةً، وكذلك كانت علاقتي مع آل الصّدر بالمستوى الحميم جداً، وأذكر أنّه طلب مني تقريرات ما كتبته من بحث درس السيّد الخوئي، وقال: إنّني أريد أن أثبت للسيّد الخوئي أنّ في العرب فضلاء. وأخذ مني التّقرير وأقرأه للسيّد الخوئي، وكما ذكر لي، كان انطباع السيّد الخوئي جيّداًً حول هذا الموضوع. وانطلقنا معاً في الحركة الإسلاميّة في النّجف من خلال هذا التجمّع الإسلاميّ الحركيّ الّذي كان يضمّ نخبةً من الشّباب المؤمن المجاهد، كالمرحوم عبد الصّاحب دخيل، والمرحوم أبو حسن السبيتي، والسيّد مهدي الحكيم... إلى آخره، وكان الشّهيد الصّدر هو المنظِّر للحركة الإسلاميّة، وكنّا معاً في الإشراف على مجلّة "الأضواء" التي كانت تصدر باسم جماعة علماء النّجف الأشرف، وكان السيّد الشّهيد الصّدر يكتب الافتتاحيّة الأولى بعنوان "رسالتنا"، وكنت أكتب الافتتاحيّة الثّانية بعنوان "كلمتنا".
وهكذا كنّا نعيش هذا الجوّ الإسلاميّ الحركيّ الّذي كان يؤكّد أنّ الإسلام قاعدة للفكر والعاطفة والحياة.
نحن كنّا نفكّر في الإسلام الحضاريّ الوحدويّ المنفتح، وقد كان من أهدافنا التّخطيط والعمل من أجل الوحدة الإسلاميّة، ولذلك كانت عندنا علاقات مع بعض الحركيّين من علماء المسلمين السنّة، ومنهم الشّهيد عبد العزيز البدري، وكنّا نعمل على أن تكون مجلّة "الأضواء" الإسلاميّة المجلّة التي تتابع قضايا المسلمين في العالم. ولذلك كانت المجلّة هي التي واجهت مسألة اعتراف الشّاه بإسرائيل بطريقةٍ واقعيّة، ما أغضب البعض ممن يؤيّدون الشّاه في الحوزة العلميّة النّجفيّة، ووصلت رسالة إلى السيّد الحكيم تطلب منه التدخّل لحلّ هذا الموضوع.
لقد كنّا نفكّر في الإسلام على مستوى العالم، على أساس أنّه رسالة الله التي أوحى بها إلى النبيّ محمّد(ص)، وقال له: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً}[سبأ: 28]، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[الأنبياء: 107]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}[الأعراف: 158]، لذلك كنّا في طموحاتنا الفكريّة نفكّر في أسلمة العالم.
يحيى أبو زكريّا
موقع مرايا برس ـ الأربعاء 9 حزيران/يونيو 2010.