العدد 202- 1 أيلول- 2010
 
بحث في الموقع
سيّد البيّنات رحل
مجلة الأسبوعية
ليلة القدر: سلام للروح وسرٌّ من أسرار الله
المصدر: من تفسير من وحي القرآن
شهر رمضان موعد للانفتاح على الذات
العلامة الشيخ حسن الصفار
 
صحيفة الحياة
صحيفة السفير
شبكة الإعلام العراقية
BBCأخبار
CNN أخبار
الميدل إيست اون لاين
صحيفة الزمان
 
أدخل بريدك الالكتروني
 
بينات والعالم
إعداد بينات العراق
 
دور الأسرة في تجسيد القيم(2): نصائح لحوار ناجح مع الأبناء
د. محمد رضا فضل الله 
2010-06-17
 

Bookmark and Share

من أجل أن ينمو الولد نموا سليماً ومستقراً على المستوى الجسدي والنفسي والخلقي والروحي، على الآباء والأمّهات أن يجتهدوا في أن يوفّروا لأنفسهم معرفة والتزاماً بمفردات القيم الأساسية المرغوبة في شخصية أبنائهم.
وفي إطار بناء هذه القيم وتركيزها وترسيخها، وبالتالي تحويلها إلى قناعات ثم سلوك، ينبغي على الأهل أن يدخلوا إلى عالم الولد الشعوري والعقلي في كل مرحلة نمائية، فيرصدوا حاجاته، واللغة الحوارية المناسبة التي يدركها، والمفاهيم المعرفيّة التي تنسجم مع مستواه الذهني، والمواقف النفسيّة ممّا يجبّ ويكره ويرغب ويرفض... كل ذلك من أجل أن يتسلّلوا إلى عقله ليبنوا قناعته، وإلى وجدانه ليثيروا عاطفته، وأن يوظّفوا قدراته واستعداداته لما يخدم ذاته ومحيطه.
الحاجات الأساسية:
وحتى نستطيع أن نحقّق ذلك، ونكسب محبّته وثقته واحترامه، لننفتح بالتالي على كل آفاقه وتطلّعاته، علينا أن نستجيب لحاجاته الأساسية التي يمكن أن نختصرها بما يلي:
1 ـ الحاجة إلى المحبة والأمن: فالولد كائن مرهف الحسّ، رقيق الشعور، يحسّ بعاطفة من يحبّه، فيبادله هذا الحبّ بعفويّة، ليحبّ ما يريده، ويتفاعل مع ما يرغبه، ويندفع للاقتداء بأخلاقه وسلوكه: "أحبّي الطفل واحمليه على حبّك، ثمّ اطلبي منه ما تشائين".
والله تعالى أودع هذه المحبّة الصادقة والعميقة في قلوب الآباء والأمّهات لإثارة مشاعر الأمن والطمأنينة في نفوس الأبناء لينشأوا أسوياء يحبّون النّاس والحياة.
2 ـ الحاجة إلى التقدير والاحترام: ليعي ذاته ويشعر بمكانته ككائن يتمتّع بقيمة جديرة بالاحترام والثّقة، إنه يتصرّف ويسعى لأن يكون محور الاهتمام، وهذا ما يجب أن نؤكّده في تعاملنا اليومي مع الولد. وهنا ينبغي على الأهل أن لا يأخذوا حرّيتهم في إذلال الولد وقهره وحرمانه على أساس أنّه ولدهم، وخاضع لمشيئتهم، وأنه ضعيف عاجز لا يفهم ولا يقوى على الثأر والمقاومة. إنّ كلّ تصرّفاتنا معه وفي طفولته، ستظلّ تعيش في عالمه اللاشعوري، لتكوّن مواقفه السلبية تجاه من يحول دون الاستجابة لحاجاته، أو من يمارس عليه الظّلم والإهانة والسّخرية، لأن كل ذلك يترك جروحاً في ذاته، ستظل حاضرة في ذاكرته ، يطالب بها ويكرّرها كلما كانت له الفرصة.
إن دور الأهل يتكرّس في أخذه بالرّفق واللّين، وفي معاملته بالمحبّة والحزم، وفي مساعدته على تنمية قدراته واستغلال طاقاته في المجالات التي توفّر له احترام الناس وتقديرهم: فنربيه على الإحسان، ليرأف بالفقراء، ونعوّده على الفضيلة، ليعامل النّاس بأدب واحترام، ونشجّعه على طلب العلم، لينشر المعرفة في المجتمع، ونغذّيه على حب الجهاد ليثأر من الظالمين.
3 ـ الحاجة إلى الانتماء: والانتماء حاجة يسعى لها الطفل ليشعر بالأمن والحماية والدّعم، لذا فهو يطمئنّ لوجود أبويه، ويحسّ بالحزن إذا ما غابا عنه، وحينما يكبر يشعر بالحاجة إلى أن يكون عضواً في جماعة تعيش آفاقه وآماله وطموحاته، تحبّ وتفكّر وتهتمّ بما يحبّه ويفكّر به ويهتمّ له.
وهذه الحاجة من المفيد استغلالها جيداً، وتوظيفها لصالح بناء القيّم في شخصيّته بشكل عفوي، فنهيّئ له الأجواء التي تجعله ينخرط مع الجماعات التي تتبنّى قيمنا وأخلاقنا وعاداتنا، ليعيش في كنفها الإيمان والحبّ والطهر والتقوى والفضيلة، فينشأ مؤمناً صالحاً رسالياً مسؤولاً، وهنا لا بدّ من التركيز على تثقيف الآباء والأمّهات بمفردات القيّم وأهمّيتها، فيكونوا الصّادقين في أقوالهم وأفعالهم، والأمناء لقناعاتهم والتزاماتهم، والأوفياء في مواعيدهم وقراراتهم... كل ذلك من أجل أن يشاهد أبناؤهم حركة القيَم مجسّدة في القول والفعل والسلوك.
أيّها الأب، أيتها الأمّ كن القدوة الحسنة في تجسيد قناعاتك وأفعالك، لتكون فاعلاً في تأثيرك، ومغيّراً في محيطك، فالله تعالى يقول في محكم كتابه: }إن الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم{
ولإثارة محبّة واحترام وتقدير الأبناء تجاه آبائهم هو طبيعة لغة التواصل أو الحوار الذي يجب أن تجسّد خصائصه الآيات التالية من كتاب الله: {ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم} {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن}.
إنّ لغة الحبّ التي ترافق مفردات الحوار من شأنها أن ترفع الحواجز النّفسيّة التي تمنع الأبناء من الانفتاح الواعي على الآباء في أسئلتهم وعرض آرائهم بفعل الهيبة أو انعدام عامل الثقة.
إنّ من مسؤوليات الأهل أن يتقبّلوا مختلف الأسئلة التي يطرحها الولد مهما كانت طبيعتها، لتتمّ معالجتها بالشّكل الذي ينسجم مع مستواه وحدود معارفه، وفي إطار من الحكمة والمرونة والعقلانيّة والآداب.
أسس نجاح الحوار:
وحتّى تنجح في حوارك، وتحقّق الغاية التربوية منه، فتدخل عقله وتحرّك وجدانه، وتؤكّد ثقته واحترامه وإقباله، عليك بما يلي:
ـ أن تشعر بأن دورك هو دور الأب المربّي النّاصح الرفيق الباحث عمّا ينفعه ويسعده، لا يبتغي من خلال ذلك فرضاً وأمراً وتعسّفاً.
ـ أن تحترم وجهة نظره، وتعالجها بحكمة، فلا فرض ولا إلزام، ولا سخرية ولا دهشة ولا تعجّب.
ـ أن تلتزم آداب الحوار التي تشعره بأهمّيته ومكانته: فتصغي لحديثه بانتباه وتركيز، ولا تقطع عليه كلامه حتى ينتهي، كما تؤكّد على النواحي الإيجابيّة في كلامه، وتظهر الهدوء في حال التحدّي والانفعال، وتقبل النّقد دون غضب، وتمارسه بحكمة وموضوعيّة.
قصة وعبرة:
وفي إطار الحديث عن الكلمة الطيّبة ودورها في بناء القيّم عند الآخر، والتي مثّلها الله سبحانه وتعالى بالشّجرة الطيّبة التي أصلها ثابت متجذّر في الأرض، وفرعها باسق متعالٍ في السماء... نختم الموضوع بقصّة لأديب حكيم:
في يوم جميل من أيام الربيع، جلس ولد أعمى قرب إحدى البنايات، وأمامه قبعة فارغة من النقود، وفيها ورقة كتب عليها: "أنا أعمى أرجوكم المساعدة".
مرّ رجل أديب أمام الأعمى، أخذ عدداً من القروش من محفظته، ووضعها في داخل القبعة، ثم تناول الورقة من القبعة وكتب عليها عبارة أخرى.
بعد الظهر عاد هذا الرجل، ليرى كيف سارت الأمور، وفوجئ حين رأى القبعة ملأى بالنقود، لماذا؟... ما الذي تغيّر؟ ... ما الذي كتبه في الورقة؟ ...ما كتبه هو: "اليوم هو يوم جميل، وأنا لا استطيع أن أراه".
الاثنان قالا الحقيقة بأن الولد أعمى. ولكن الثاني كتب بطريقة مختلفة أثارت العاطفة حول عمق المأساة التي يعيشها هذا الولد. فالمهم هو أن نعبر بطريقة مختلفة... وهذا هو دور الكلمة الطيبة في تركيز القيمة.
 
 
للتعليق على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق