العدد 202- 1 أيلول- 2010
 
بحث في الموقع
سيّد البيّنات رحل
مجلة الأسبوعية
ليلة القدر: سلام للروح وسرٌّ من أسرار الله
المصدر: من تفسير من وحي القرآن
شهر رمضان موعد للانفتاح على الذات
العلامة الشيخ حسن الصفار
 
صحيفة الحياة
صحيفة السفير
شبكة الإعلام العراقية
BBCأخبار
CNN أخبار
الميدل إيست اون لاين
صحيفة الزمان
 
أدخل بريدك الالكتروني
 
بينات والعالم
إعداد بينات العراق
 
في حضرة السيّد..
محمد الحسيني 
2010-07-28
 
في غمرة الأحزان، يؤجّل الحديث عن الفكر والثّقافة، فثمّة مجالٌ آخر لهما.. في وقتٍ تستحقّ العاطفة أن تتقدّم.. فقد جالت في نفسي هذه الخواطر في (حضرة السيّد)، وهي وإن كانت عاجزةً عن بلوغ مستوى المشاعر تجاه (الفاجعة)، فإنّ شفيعها أنّها صادقة، وتنبع من قلبٍ وعقلٍ عرفا (السيّد) عن قربٍ وعاشا معه.. وقد جاءت هذه الكلمات من وحي هذا القرب وهذا العيش...

رحلة الأحزان

بدت حياتي مع يوم الأحد في الرابع من تموز وكأنها تنقسم إلى شطرين، فأضحى ما بعد يوم الأحد مختلفاً عما كان قبله، أحسست بأني أخسر رصيداً هائلاً من حياتي، كما هو شعور أصحاب الأموال بخسارة أرصدتهم... غير أن خسارتي من نوعٍ آخر...

قبل يوم الأحد، كان قلبي منذ أُدخل (مولانا) المشفى يخفق مع كلّ اتصال هاتفي، خشية سماع ما لا يُسرّ، فكنت أتصيّد على بعد ـ وأنا في دمشق ـ أحواله من أحبتي القائمين على خدمته، وأنا أتأرجح بين خبرٍ يُسرّ وآخر يسيء، مع أملٍ وثقةٍ بالله كبيرين...

وكأنّي بالسيِّد يختار الرَّحيل، وهو الَّذي يشعر بأنَّ جسمه لم يُعد قادراً على تحمّل أحلامه وأُمنياته ومسؤوليَّاته الجسام، وهو الّذي يردِّد قول الصّادق(ع): "ما ضعف بدن عمّا قويت عليه النيّة"، وقول الشّاعر: وإذا كانت النّفوس كباراً/ تعبت في مرادها الأجسام، فكيف يطيق هذا الجسم الّذي أتعبه المرض هذه المسؤوليّات الجسام، وهو الّذي يأبى أن يستقيل كما يستقيل غيره! وكيف يستقيل، وهو الّذي يردّد دائماً أنَّ "الرّاحة عليّ حرام"، فحرَّم على نفسه الرّاحة، وهو في أوج ضعفه البدنيّ، غير مكترثٍ بآهاته وآلامه، وهو يتآخى معها ويتصالح، فيبدو متماسكاً شامخاً، وهو يتظاهر بالعافية والقوّة... وأنا الذي كنت ألومه على رحلته إلى دمشق ـ مع شدة اشتياقي إليه ـ وهو في هذه الحال، فيبدي تهاوناً وقلّة مبالاة، حبّاً بلقاء أحبابه وجمهوره ومقلّديه في دمشق... ذلك الحلم الّذي راوده وهو في آخر أيّامه، يمدُّ بعينيه إلى دمشق لئلا يطول الغياب، وقد طال شهوراً ـ ربما تجاوزت ستة ـ فسئم منه وسئم محبّوه، وقد طال عليهم الأمد والفراق...

مرّت على زيارتي له ـ وأنا الذي أتردّد عليه في هذه الفترة ـ ما يزيد على العشرين يوماً، فشعرت بالخطر وداهمتني الشّكوك، وصرت إلى التّأجيل يوماً بعد يوم، عسى أن تؤول حاله الصحيّة إلى الأحسن، لأرى وجهه الطّلق وابتسامته الرائعة...

فقدت صبري، وعزمت على السّفر إلى بيروت، لعلّي أحظى بلقياه الأخير، وفي الطّريق، أُخبرت بالفاجعة فأخرسني الخبر، وطافت في رأسي الذّكريات، لأستحضر الأستاذ والمعلّم والحبيب والمرجع والمفكّر والإنسان... لأستذكر ما يزيد على خمس عشرة سنة قضيتها معه، من صورٍ مشرقة مفعمةٍ بالحبّ والسّماحة، تعلّمت فيها الكثير الكثير من قيم الإسلام والإنسانيّة... طافت في عقلي ووجداني صور كثيرة في سرعة البرق على مدى هذه السّنين، واعتلجت في نفسي الأحزان، وكفّ لساني عن النّطق، وعجزت عن الإفصاح عن مشاعري.

يا حسرتاه على ما فرّطت، فقد تعجلَّتَ الرّحيل سيّدي، وكأنّك تعلن الملالة من عالمٍ يتنكّر لمفكّريه ومبدعيه، لتلتحق بعالمٍ أكثر نقاءً وطهارة... عالمٍ خلوٍ من اللّغو والتأثيم، فأراك تستحثّ الخطى نحو أحبابك من رفقاء الطّريق والعمل والجهاد... ومواكب الشّهداء والمجاهدين الّذين سبقوك...

سيّدي: لا أعرفك تستريح، فهل هي استراحة محارب؟ ولا أعرفك تستكين أو تحتجب، وأنت الحاضر حتى في غيابك، فلِمَ فضّلت الرّحيل؟!

رسول الحبّ

كان النّاس يفتشون في السيّد الفقيد كلٌّ حسب ميوله، بعضهم يرى فيه الفقيه (المرجع)، وآخر يرى فيه المفكّر، وثالث يراه حصناً للمقاومين، ورابع يراه كهفاً للفقراء والأيتام والضّائعين...

ولكن، ما يجمع كلّ هؤلاء، أنهم يجدون فيه الإنسان، وهو يفيض محبّةً وودّاً وسماحةً... كان خلقه القرآن كما كان رسول الله، ولا أجدني مبالغاً في ذلك الوصف، كما لا أظنّ أنَّ زائراً التقاه من شرق الأرض وغربها، ومهما كان دينه، إلاّ وخرج منه معبّأً بالرّضا والإعجاب... كان ـ بحقّ ـ رسول الحبّ، وهو ينشر من عبق التّسامح والحبّ ما يفيض على الجميع، ويخفض جناح الرّحمة للصّغير والكبير، للشّريف وغيره، الرّجال والنّساء، سواء بسواء...

فروحه وهي تسمو فوق كلّ حقد، وهو الّذي يعتبر الحقد موتاً، تغرس في قلوب المحبّين والأتباع الحبّ للآخرين، وتنحت في وجدانهم الخير والكلمة الطيّبة، وهو القائل: (وبقلبي ينبض الحبّ وينساب انحلالا)، فكان شعاره عشق النّاس، ومنهجه تعميم الأريحيّة.

صانع الأجيال...

ماذا عساني أقول في المعلّم والمربّي، وكيف أختصر قامةً من قامات الفكر والمعرفة والجهاد والنّضال والمقاومة بكلماتٍ عاجزةٍ عن التّعبير، فلا أنا شاعرٌ فأنظم فيه، ولا أنا ناثرٌ فأسطّر عذب الكلام، وهو سيّد الكلام كما يعلم الجميع، وأمير من أمراء البيان، كان إذا تكلّم سحر القلوب، وإذا تحدَّث ألهب المشاعر.

إنّه السيّد، وكفى به وصفاً. كان، كما يقول العرب في أمثالهم، (قصير النّسب)، وكما هو شأن أحد أجداده، زين العابدين والسّاجدين علي بن الحسين(ع) ، وهو يقول لمحدّثه: "دع عنك ذكر أبي وجدّي"، هكذا كان لسان حال السيّد المرجع الفقيد الّذي لم يكن يتّكئ على التّراث النَّسَبيّ، وهو ابن السّادة الأفذاذ.

لا يسعنا استذكاره ـ وهو الحاضر ـ بتفصيل، إنما يمكننا فقط أن نتوقّف عند ملامح مشروعه النّهضويّ التّنويريّ، ومنذ الانطلاقة الأولى، مع نخبةٍ كان في مقدّمهم الشّهيد محمد باقر الصّدر، فكانت البداية من النّجف الأشرف في العراق، ليكمل المشوار في لبنان، دون أن يعني ذلك نسيان الوطن كلّه، ذلك لأنه الكبير الّذي لا تحجبه حدودٌ، وهو يمد بيديه إلى العالم حاملاً الإسلام الأصيل المشرق الوضّاء، في الزّمن الرديء وفي زمن العتمة، حيث تطلع علينا أسراب من الخفافيش وأدعياء الدّين من الذين وصفهم الشّرع بالخُبّال، وهم بصدد السّطو على دين محمّد.

كان مشروعه التّأسيس لمستقبل الأمّة وصيانتها، إن على المستوى الخارجيّ، وهو يحتضن مواقع المجاهدين والمقاومين، أو على المستوى الدّاخليّ، وهو يدعو إلى اجتماع إنسانيّ وإسلاميّ وعربيّ، محذِّراً من مشاريع الفتنة والفرقة والتّشرذم، لا ينام عن همومها كما ينام غيره، ولا يسهو عن مشاكلها، كما لا يلهيه شيء عن محنتها.

دأبه التّفكير في مستقبل هذه الأمّة كما هو تفكيره في حاضرها، تؤرقه مظاهر التخلّف والتردّي، ويؤلمه غياب الوعي، فكان همّه استنهاض الأمّة ومحاولة استرداد دورها، وهو ما وقع في بعض مواقع هذه الأمّة، كما في دعمه للمقاومة، وخصوصاً في مواجهة الكيان اللّقيط المسمّى (إسرائيل).

وكما كان معنيّاً بالجانب السياسيّ، فإنّه كان معنيّاً بالجانب الدّيني ـ وهو اختصاصه ـ فقد أَبى أن يكون مجرّد صدى لتراثٍ، أو مخزون سجّله الأجداد، وهو المؤمن بالإسلام منهجاً حيّاً يتجاوز الطقوسيّة، وهو المؤمن به منهجاً لا ينأى عن العقل والعقلاء، فلم يجامل على حسابه لإرضاء الحرس القديم أو لاستدرار المنفعة، لأنه يؤمن بأنّ كرامته من كرامة الدّين، فلم يلتفت إلى (عِواء) هنا و(عواء) هناك، وهو الموكل بالإسلام على حدّ تعبيره، مستعيراً ذلك من بعض كلامٍ منقولٍ عن الشّاعر عمر بن أبي ربيعة، ولم يكل ولم يهن ولم يضعف في سبيل ذلك.

وإذا كان بعض الشّعراء يقول:

تعبتْ من السّفر الطّويل حقائبي وتعبتُ من خيلي ومن غزواتي

فإنَّ السيّد لم يتعب من غزواته، وهي غزوات معرفة وثقافة وعلم ومقاومة بحقّ وفي حقّ، مما أسَّسه، من ثقافة حوارٍ وجدالٍ بحقّ، ورؤيةٍ معتدلة، ومنهج تسامح.

كان معنيّاً بالفكر، وهو المفكّر الّذي رسم الخطوط العامّة والتّفصيليّة ـ أيضاً ـ للرّؤية الإسلاميّة التي آمن بها تجاه قضايا عديدة، وهو الفقيه الّذي كان حاضراً في المستجدّات والمستحدثات التي أفرزها التقدّم العلمي، وهو المصلح الّذي تصدّى لظواهر مرضيّة عديدة وكثيرة، وهو الأب الحنون الذي أسّس مؤسّسات لرعاية الأيتام والعجزة والمسنّين، وأصحاب الاحتياجات الخاصّة والمشافي والمستوصفات، وهو المربّي الذي أسّس المدارس والمعاهد...

لقد رحل السيّد ولم يرحل، لأنّه رحل جسداً وحسب، وأزعم أنّه ولد من جديد، ولا أدلّ على ذلك من حشود مودّعي جسده.

وسيبقى حاضراً في فكره ومنهجه ومؤسّساته وتلاميذه وأبنائه ومريديه، كما هو شأن روّاد الإصلاح والنّهضة، ما يضاعف من مسؤوليّاتنا تجاهه وتجاه منهجه، ويحمّلنا الأمانة التي حمّلنا إيّاها، لنكمل المشوار في مشروعه الجهاديّ والعلميّ والفكريّ والاجتماعيّ...

وسيولد السيّد من جديد، مع ابتسامة كلّ يتيم، ومع تألّق كلّ متعلّم من طلاب مدارسه ومعاهده، وسيشرق من جديد مع كلّ انتصار أو ملحمةٍ من ملاحم المقاومة، ومع كلّ أُفقٍ جديد.

في حضرة المعلّم

لن أنساك ـ سيّدي ـ ما حييت

فقد ملكت القلوب كما العقول

كيف ننساك وأنت (وابل) الأرض

يفتقد المجاهدون جرأتك

ويفتقد المستضعفون ظلّك و(عباءتك)

وأهل الفكر والثّقافة رؤاك التّنويرية

افتقدنا برحيلك ـ سيّدي ـ سماحتك وروحك النديّة

وجرأتك في الحقّ وطلعتك البهيّة

فكيف ننساك... وأنت كونٌ... وأمّة.

 
 
للتعليق على الموضوع
الاسم
البلد
التعليق